الثاني : أنَّ الحكمة من ذلك الإشارة والإيحاء إلى التقليل بلحاظ العدد ، بخلاف ما لو قال : ( العمل الصالح ) ؛ فإنَّه ينطبق على عددٍ كثيرٍ ، مع أنَّ المرء مهما عمل عملًا صالحاً كان قليلًا عند الله بلحاظ عظمته وفضله وعطاياه ونعمه ، فأُريد التقليل من العمل في نظره .
الثالث : أن نقول بإرادة القلّة بلحاظ المعنى والأهمّيّة لا الكمّيّة ، وإن رجعا إلى معنىً واحدٍ ، بخلاف ما لو قال : ( العمل الصالح ) ؛ فإنَّه يكون له هيبةٌ وهيمنةٌ ، ما قد يحصل معه العجب عند المؤمن أو اليأس عند بعضهم .
والغرض : أنَّ الله يقبل العمل الصالح وإن كان قليلًا متدنّياً ، فلا يحصل اليأس عند الناس .
الرابع : لعلّ المراد بالصالحات ( أي : المؤنّث ) المعنى الباطني والعمل الباطني ، بخلاف ما لو قال : ( العمل الصالح ) بإرادة التذكير ، فيكون المراد منه العمل الظاهري ، أي أعمال الجوارح . والمراد بالعمل الباطني ما كان من قبيل النيّة والرضا والتسليم ونحو ذلك ممّا يرجع إلى القلب والنفس . ويشهد له : أنَّ النفس مؤنّثٌ في لغة العرب ، والضمير الراجع إليها وكذا اسم الإشارة واسم الموصول المعبّر عنها مؤنّثٌ أيضاً . والشاهد في المقام : أنَّ المراد أعمال النفس ، كما لو اكتسبت صفتها بالتأنيث ولو مجازاً .
الخامس : أن يُقال : إنَّ الصالح هو ما كان ذا مصلحةٍ ، والعمل الصالح ما فيه مصلحةٌ ، والمصلحة قد تتعلّق بنفس المكلّف وقد تتعلّق بغيره .
والغرض : أنَّه لو قال : ( عملوا الصالحات ) أو ( الأعمال الصالحات ) لكانت المصلحة راجعةً إلى الفرد نفسه ، بخلاف ما لو قال : ( العمل الصالح ) ؛ فإنَّ المصلحة تعود إلى الغير . ويشهد له عند العرف أنَّنا نقول : ذلك العمل في
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 306
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٠٦