ثُمَّ إنَّنا لو لاحظنا الزمن الماضي لوجدنا أنَّ الإنسان له ذنوبه وعيوبه ونقائصه ، فهذا البلاء بمنزلة العقوبة على ما حصل في الماضي ، وإن لاحظنا المستقبل فالمؤمن له توقّعاته في التكامل أمام الله تعالى في درجات اليقين والإيمان ، فيكون البلاء سبباً لتكامله ؛ لأنَّ التكامل ليس جزافيّاً ، بل يحتاج إلى مقدّماتٍ . ومن أهم مقدّماته المصاعب الدنيويّة والابتلاءات ، فحينئذٍ يرسل الله تعالى رحمته ، ولعلّ ذلك من مصاديق قوله تعالى : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ « 1 » . فالمؤمن يتكامل ، والكافر يتكامل سلباً في ضلالته وظلامه ، فيكون البلاء سبباً ليزداد عتوّاً ونفوراً من الحقّ ، وهو نوع رحمةٍ له على كلّ حالٍ .
ثمَّ إنَّ الابتلاءات الإلهية على نحوين : قهرية اعتيادية ، كالمرض والحوادث والسقوط من شاهقٍ ، واختياريّة . والاختياريّة على نحوين : ما كان باختيار الإنسان ، كما لو ألقى بنفسه في المصاعب ، وما كان باختيار الآخرين ، وهو بمنزلة القهري بالنسبة للمبتلى ، وإن كان ليس قهريّاً بالنسبة إلى الفاعل ، كما لو تسلّط الآخرين عليه ، فيبتلى ببلاءٍ من الله تعالى على يد الظالم ، وهو القائل في الحديث القدسي : « الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه » « 2 » ؛ لأنَّه - أعني : الظالم - مسؤولٌ عن أعماله ، ولأنَّه أوجدها باختياره ، لا بالجبر من الله تعالى .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 42 .
( 2 ) بيان المعاني 442 : 2 ، سورة الإسراء . ونحوه مع فارقٍ في اللفظ في تذكرة الموضوعات : 182 ، باب الإمام والظالم وتأييد الدين والدعوة له . . . ، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس 49 : 2 ، الحديث 1687 .