تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
أنَّ الكفّار سببٌ رئيسٌ في امتحان المؤمنين وابتلائهم واختبارهم ، فهم معذّبون ما لم يتوبوا . فقوله : إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا أي : إنَّ الذين أدخلوا المؤمنين في محنةٍ وصعوبةٍ وبلاءٍ وكذا المؤمنات لهم عذاب جهنّم . إن قلت : إنَّ الامتحان من صنع الله تعالى للعبد المؤمن لا الكافر ، فكيف ينسب إليه لا إلى الله تعالى ، مع أنَّه من صنعه ؟ قلت : النسبة إليهما معاً صحيحةٌ ؛ فإنَّ نفس الحادثة تنسب إلى الفاعل المباشر وهو الكافر ، فتكون ظلماً واعتداءً ، كما تنسب إلى مشيئة الله تعالى ، فتكون عدلًا وامتحاناً . وإن شئت قلت : إنَّ الكافر سبب ما به الوجود ، والله تعالى سبب ما منه الوجود . قال شيخنا المظفّر ( قدس سره ) : إنَّ الأسباب على قسمين : سبب ما منه الوجود ، وهو الفيض الإلهي ، وسبب ما به الوجود ، وهي العلل الاعتياديّة في الخلق ، وإذا وجد ما به الوجود انقلب المعلول بلسان حاله من قبل الله تعالى ، والله تعالى كريمٌ لا بخل في ساحته ، فيفيض عليه الوجود . فلولا ما به الوجود لم يوجد المعلول ، ولولا ما منه الوجود أيضاً لم يوجد المعلول ، بل إنَّما يوجد بالتركيب بين العلّة والمعلول « 1 » . والغرض : أنَّه لو لاحظنا سببيّة الخلق في إيجاد النعمة ، وقلنا : إنَّ المخلوق سيعاقب ويعذّب ، لكان قبيحاً عقلًا وشرعاً وعقلائيّاً ، ولكن إذا لاحظنا نسبة العمل إلى الله تعالى ، فهو رحمةٌ وعدلٌ ونعمةٌ .
هامش
( 1 ) أُنظر : ما أفاده في مباحث العلّة والمعلول من كتابه الفلسفة الإسلاميّة : 61 ، السببيّة الطبيعيّة .