المعلول يفيد وجود العلّة والمعلول معاً . فلو قلنا : ( هناك مُلكٌ ) كان المراد أنَّ هناك ملكاً أيضاً ، إلّا أنَّ الملك لا يلازم التصرّف ، ومعه قد يكون إخباراً عن التدبير بالمطابقة وإخباراً عن سببه - أي : المِلك - بالالتزام ، فتضمّنت الآية الإشارة إلى كلا المعنيين والرتبتين .
وأمّا ( الشهيد ) فيلاحظ تعدّد ذكر الشهادة في هذه السورة في غير موضع منها ، كما في قوله : وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ووَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
وقد تقدّم : أنَّ الشهادة إمّا ثبوتيّة وإمّا إثباتيّة ، أي : إمّا تحمّلٌ وإمّا أداءٌ ، والتحمّل عبارةٌ عن الإحساس الخارجي بالشيء ، والأداء عبارةٌ عن التعبير عمّا كان محسوساً سابقاً ، فالشهادة الإثباتيّة عبارةٌ عن الأداء والشهادة الثبوتيّة عبارةٌ عن التحمّل .
ثُمَّ إنَّ ( شهيد ) فعيلٌ بمعنى فاعلٍ لا مفعولٍ ، خلافاً لقتيل بمعنى مقتولٍ . ولعلّ الاختلاف في المعنى وإرادة استعمال فعيلٍ بمعنى فاعلٍ أو مفعولٍ مردّه إلى الذوق العربي اللغوي ، ولذا يمتنع أن نقول : إنَّ ( شهيد ) هنا بمعنى ( مشهود ) كامتناع القول بأنَّ ( قتيل ) بمعنى ( قاتل ) .
ثُمَّ إنَّ الله تعالى شاهدٌ على خلقه ثبوتاً وإثباتاً ؛ لأنَّه يرى الواقع ، وهو أبصر الناظرين ، وقد نصّ القرآن على ذلك ، فلا يرد الإشكال عن كيفيّة رؤيته للأشياء ، والقرآن أصدق القائلين ، وقد أخبر الله تعالى أنَّه يرى ولا يحتاج في الرؤية إلى آلةٍ جارحةٍ كالعين ونحوها .
نعم ، الروح في البشر التي ترى الأشياء وتحسّ بها ، كما في عالم الدنيا وعالم المادّيّات .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 286
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٨٦