البشر أيضاً .
لكن يبقى إشكالٌ في المقام ، وهو أنَّ الجسم البشري لا يصلح أن يكون وقوداً للنار ؛ لكثرة رطوبته من دمٍ ولحمٍ ، وليس هو من قبيل الخشب اليابس والفحم والنفط ، والكلام ليس في النار الأُخرويّة ؛ فإنَّ لها شأناً آخر ، بل الكلام في النار الموقودة داخل الأُخدود ؛ لأنَّ قوانين الآخرة غير قوانين عالم الدنيا . أي : كيف يتمّ قوله تعالى : النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ في إشارته إلى حرق المؤمنين بالنار وقوداً لها ، مع عدم صلاحيّة أجسامهم للوقود ؟
والجواب عنه بالحمل على نحوٍ من التجوّز لا الحقيقة ، مع أنَّ الإنسان لو رُمي في النار سقط في أسفلها ، فلا يقع فوق النار كالقدر ، أي : إنَّ المؤمنين وُضعوا في النار وأُحرقوا فيها ، فصاروا محلًا للوقود بضربٍ من المجاز .
إن قلت : إنَّ المجاز خلاف الأصل ، كما مرّ غير مرّةٍ ، والأصل الحمل على الحقيقة ، ومعه فلابدّ من أن يكون الوقود فيها ما يصلح لها كالخشب ونحوه ، ولا يصحّ استعمال الوقود في المؤمنين .
قلت : إنَّنا نسلّم بأنَّ أصالة الحقيقة هي الأصل ، ولكنّنا نقول : إنَّ استعمال المجاز مع القرينة ممّا لا إشكال فيه قطعاً ، فمن المحتمل أن تكون الآية قد أشارت إلى ذلك مجازاً مع القرينة ، كما في المقام ، فتدبّر .
إن قلت : لماذا وُصفت النار بأنَّها ذات وقودٍ ، مع أنَّ كلّ نارٍ بالطبع ذات وقودٍ ؟ أي : ليست هناك نارٌ بلا وقودٍ ليحتاج إلى الوصف المذكور .
قلت : أوّلًا : إنَّ النسق والسياق القرآني متوقّفٌ على إفادة هذا المعنى ، وإلّا لاختلّ السياق وفسد النسق بالقول : ( النار الموقودة ) ونحوها .
وثانياً : ما أفاده السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) بالقول : وفي توصيف النار بذات
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 266
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٦٦