الثاني : وقوع الحرق في الأُخدود ، أي : إنَّ الظالمين لم يعذّبوا المؤمنين أو يقتلوهم بالطرق المألوفة ، بل حفروا لهم وأحرقوهم فيها .
والحاصل : أنَّ القصة كلّيّة قابلةٌ للانطباق على كثيرين ؛ لأنَّ المهمّ في المقام ليس ذكر التفاصيل كقتل زيدٍ ونجاة بكرٍ وإيمان عمروٍ ، بل المراد الإشارة إلى فكرةٍ عامّةٍ ، وهي حرق الكافرين للمؤمنين داخل الأُخدود ، وقد تكرّرت هذه الواقعة في غير مرّةٍ بلحاظ الزمان ، بلا اختصاص بزمانٍ أو مكانٍ دون آخر .
ثُمَّ إنَّه لا دلالة في الآية على حفر الأُخدود ، بل كان موجوداً مسبقاً بوجودٍ طبيعيٍ أو كان بالعمل البشري ، فأدخلوا المؤمنين فيه وقاموا بإحراقهم ، مع أنَّ القرآن ليس بكتاب تأريخٍ ليسرد قصص الأوّلين والآخرين ، وإنما أشار إلى وجود أُخدودٍ في منطقةٍ مّا تمّت فيها الواقعة .
كما وقع المفسّرون في حيص بيص في بيان المراد من قصّة أصحاب الأُخدود ، وفي المقام احتمالاتٌ متعدّدةٌ نشير إلى اثنين خاصّةً :
الأوّل : أنَّ أصحاب الأُخدود هم الكفّار ، وهو الأوفق بالفهم المتشرّعي ؛ فإنَّ المراد بهم الكافرون الظالمون الذين أحرقوا المؤمنين واعتدوا عليهم .
ويشهد له : أنَّهم كانوا أصحاب يدٍ على الأُخدود ، فنسبة الأُخدود إليهم كما هو ظاهر الآية أولى من نسبته إلى غيرهم . كما يشهد له ما أفاده السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) من عود الضمائر في قوله تعالى : إِذْ هُمْ عَلَيْهَا وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ ومَا نَقَمُوا إلى الجبابرة الناقمين لا إلى المؤمنين المعذّبين « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع الميزان في تفسير القرآن 251 : 20 ، تفسير سورة البروج .