أنهم يحرقون المؤمنين ويعلمون أنَّهم مذنبون : بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ « 1 » . ومعه يمكن الجمع بين القرينتين .
إن قلت : إنَّ ما ذُكر أيضاً من التعارض في القرائن المتّصلة ، بعدما ذُكر بأنَّ المراد الشاهد والمشهود يوم القيامة أو في تلك الحادثة المشار إليها في السورة ، فيكون المراد أنَّ هؤلاء الكفرة أحرقوا المؤمنين في الخندق ، فهاهنا شاهدٌ ومشهودٌ ثبوتاً ، أي : حسّاً ، ليأتوا يوم القيامة ويقرّوا على أنفسهم بالذنب ، فيكون المقصود من السورة الإشارة إلى يوم القيامة .
وقد يُقال أيضاً : إنَّنا فهمنا كلا المعنيين المتباينين من لفظ الشاهد والمشهود ، فيكون من قبيل استعمال اللفظ في معنيين متباينين ، وهو محالٌ .
وقد يُلاحظ عليه : أنَّ في المقام قرائن متّصلةً على هذا المطلب وذاك ، فتتساقط ؛ لأنَّ مجموعها يؤدّي إلى ما هو محالٌ .
والتحقيق : أنَّ ما هو محالٌ أن يقصد المتكلّم كلا المعنيين في بيانه أو يفهم السامع معنيين منه ، مع أنَّ الاستحالة في المقام ليست عقليّةً بل عرفيّةً .
وهذا إنَّما يتمّ في بعض الألفاظ والمعاني ، بخلاف الشهادة ؛ فإنَّ لها طرفين : التحمّل والأداء ، أي : الثبوت والإثبات ، ويمكن أن يكون زيدٌ شاهداً بتحمّله الشهادة وشاهداً بأداءه الشهادة ، فيتضمّن لفظ الشاهد كلا المعنيين ، ولا يكون من قبيل استعمال اللفظ في معنيين متباينين ؛ لأنَّ في المقام معنىً واحداً لا معاني متعدّدةً ، فلا استحالة في البين ، ويشهد له أنَّ الحديث في السورة عن أصحاب الأخدود وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة القيامة ، الآيتان : 14 - 15 .
( 2 ) سورة البروج ، الآية : 7 .