المعنى النفسي والعقلي يمكن أن يتعدّد بعد الالتفات إلى أنَّ الكيد الأوّل منسوب إلى المخلوق ، والكيد الثاني منسوب إلى الخالق جلّ جلاله ، ما يعني اختلاف النوع ؛ فإنَّ الكيد المنسوب إلى الخالق أشدّ وأبعد أثراً وأخفى من الكيد المنسوب إلى المخلوق .
أو قل : إنَّ كيد المخلوقين يمثّل مطلق الكيد ومصداقاً منه ، وأمّا كيد الخالق فهو الكيد المطلق ؛ لأنَّه الفاعل المطلق ، وإن كان كيده سبحانه حسبما يناسب الموضوع .
ثُمَّ إنَّ في تكرار ( كيداً ) مستويين من الفهم :
المستوى الأوّل : أنَّ نتمسّك بوحدة السياق المعنوي لا اللفظي ، أي : وحدة المعنى ، فيكون مقتضى وحدة السياق هو اتّحادهما في المعنى ، فإمّا أن يُراد بكليهما الشدّة ، أو يُراد التأكيد .
المستوى الثاني : أن نرفض وحدة السياق بدليل وجود القرينة على خلافه ، وهو أنَّ الفاعل للأوّل شخص ، والفاعل للثاني شخصٌ آخر ، بمعنى أنَّ الأوّل منسوبٌ إلى الكافرين ، والثاني منسوب إلى الله عزّ وجلّ ، ولا يناسب أن يكون الكيد المنسوب إلى الكافرين بمستوى الكيد المنسوب إلى الله تعالى .
وعليه ففي المقام فرقٌ جوهري وجذري ، ويتّضح التفريق بين هذين الكيدين ، فنقول : إنَّه يُراد من الأوّل المنسوب إلى الكافرين التأكيد ، ومن الثاني المنسوب إلى الله الشدّة ، بغضّ النظر عن المفاد النحوي لها .
أو يُراد من الكيد المنسوب إلى الكافرين مطلق الكيد وكلّي الكيد في مقابل المنسوب إلى الله تعالى ، أي : الكيد المطلق ، وهو الكيد المؤثّر والنافع على كلّ حالٍ ، ولا يمكن أن يتخلّف كيد الله تعالى ، مع أنَّ كيد الكافرين قد يتحقّق
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 217
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢١٧