مَتِينٌ « 1 » . قال بعضهم : أراد بالكيد العذاب ، والصحيح أنَّه هو الإملاء والإمهال المؤدّي إلى العقاب « 2 » .
يعني : يعطيهم الفرصة : فإن تابوا في هذه الفرصة فبها ونعمت ، إلّا أنَّهم في أغلب الظنّ سيبقون على عنادهم فيزدادون إثماً . قال تعالى : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً « 3 » فينالون عاقبتهم التي يستحقّونها حقيقةً .
وبقي أمران في كلام الراغب ؛ لأنَّ ما أفاده لا يخلو عن غموضٍ .
الأمر الأوّل : أنَّه قال : الكيد ضربٌ من الاحتيال . وهو واضحٌ لو فهمناه من الناحية المنطقيّة ؛ فإنَّ بين الكيد والاحتيال عموماً مطلقاً ، فكلّ كيدٍ احتيالٌ وليس كلّ احتيال كيداً . إذن هناك احتيالٌ لا يسمّى كيداً ، وهذا المعنى لم يوضّحه الراغب .
وعلى ما تقدّم يمكن الإشارة إلى عدّة أُطروحات في فهم الكيد :
الأُطروحة الأُولى : أنَّ المراد به الخفاء ، والكيد هو الاحتيال الخفي ، والاحتيال قد يكون خفيّاً ، وقد يكون ظاهراً .
إن قلت : الاحتيال لا يكون إلّا خفيّاً ، وكيف يمكن أن نتصوّره ظاهراً ؟ لأنَّه لو كان ظاهراً لعرفه الناس ولم يسمّ احتيالًا ، بل هو شيءٌ آخر ، وعلى هذا يكون الاحتيال هو الكيد ، وبينهما نسبة التساوي ، لا نسبة العموم المطلق .
قلت : المراد بالخفاء الخفاء على الناس ، لا الخفاء على مَن احتيل عليه : فإنَّ كان خفيّاً على مَن احتيل عليه كان كيداً ، وإن كان واضحاً كسرقة النهار لم
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 183 ، وسورة القلم ، الآية : 45 .
( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 463 ، مادّة ( كيد ) .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 178 .