وعليه فإمّا أن نسلّم الأمر إلى الله ونقول : إنَّ هذا اختيار المتكلّم ، فهو أراد أن لا يكون هنا روي لمصلحةٍ معيّنةٍ ، ولا بأس به ، فالروي وإن كان راجحاً ، إلّا أنَّه ليس واجباً . أو نقول : إنَّ الروي محفوظٌ في رؤوس الآيات وفي نهاياتها ، مع أنَّ ( خلق ) في قوله تعالى : فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ليس نهاية آية ، فإذا رفعنا النقطة التي بين الآيتين تكون كلا الآيتين آيةً واحدةً ، وبذلك ينحفظ الروي في كافّة الآيات إلى قوله تعالى : فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ .
ويرد على ما ذكر إشكالان :
الإشكال الأوّل : أنَّه لابدّ من التعبّد بنهايات الآيات وأن نذعن ونتعبد بأنَّها نهاية آيةٍ ، أي : يلزمنا التعبّد الشرعي بما هو موجودٌ في نهاية الآيات .
ويمكن الإجابة عنه بالقول : إنَّ الأمر ليس كذلك ؛ لأنَّنا في الحقيقة نقول : إنَّ هذه النهايات والبدايات للآيات من صنع البشر ، والوحي بما هو وحي لم يعيّن صدر الآية أو نهايتها ، بل سار المتشرّعة على هذا النهج ، وقسّموا الآيات على هذا النحو ، ولا علم لدينا بأنَّ الوحي اعتبر هذا الموضع نهاية آيةٍ .
نعم ، هناك موارد واضحةٌ قامت القرينة والدلالة عليها ، فلابدّ لنا من أن نتعبّد بها ، وأمّا مع عدم القرينة فلا نتعبّد بذلك .
وممّا يدلّ على أنَّ هذه المسألة من وضع البشر أنَّهم اعتقدوا مثلًا أنَّ سورتين تعدّان سورةً واحدةً كما في ( الضحى ) و ( الإنشراح ) ، بالرغم من وجود ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في وسطهما ، وهذا الشيء ملحوظٌ على مستوى السور ، فضلًا عن الآيات .
أقول : أُختلف في نهايات الآيات اختلافاً كبيراً ، فبعضهم اعتبر أنَّ الحروف المقطّعة مثلًا آية ، وما بعدها آية أُخرى ، مع أنَّنا نعتقد بأنَّها آيةٌ واحدةٌ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 206
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٠٦