فتحصّل : أنَّ يوم القيامة مرحلة إثبات ومعرفة وليست مرحلة ثبوت ، وإذا فرضنا أنَّه هناك بلاءٌ فهو بلاء على الفاسقين في يوم القيامة الذين يجوعون ويعطشون ، ولكن هذا ليس شاملًا للكلّ وإنَّما يختصّ بجماعة ممّن أسرف على نفسه في الحياة الدنيا . وإنَّما الذي يحصل للكلّ هو البلاء الإثباتي من قبيل إنَّ هذا محسنٌ وذاك مسرف ، وهذا جيّدٌ ، وهذا ضعيف . . . الخ .
وعليه : فالذي يحصل يوم القيامة هو من قبيل البلاء الإثباتي التقييمي لا من قبيل البلاء الثبوتي الواقعي ، والآية ظاهرةٌ بالثبوت لا بالإثبات ، أي : أنَّ البلاء حصل فعلًا يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ، وهذا يناسبه أن يكون في الدنيا وليس في يوم القيامة .
الأُطروحة الثانية : وهي ما تحصّل من جوابٍ ونقدٍ في الأُطروحة الأُولى فنقول : إنَّ المراد من الابتلاء هو الابتلاء الثبوتي الذي يحصل في الدنيا من خلال التمحيص وغيره ، فيكون المراد من قوله تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ما يحصل في الدنيا من ابتلاءات وتمحيصات يبتلي الله بها العباد في دار الدنيا .
الأُطروحة الثالثة : إنَّ هناك بلاءً يحصل في كثير من العوالم ، ولا يختصّ بعالم دون عالم ، فالسريرة أو النفس تحمل همّ الجسد والعقل ، وتحمل همّ الدنيا والبرزخ والقيامة ، ففي كلّ مرتبةٍ من مراتب الإنسان وفي كلّ عالم من عوالم الإنسان قد يحصل البلاء ، فلماذا نخصّه بعالم دون عالم ؟
الأُطروحة الرابعة : أنَّ المراد بالسريرة السرير ، لا النفس ، والسرير هنا الجسم ، والجسم سرير النفس والعقل ، ويكون المراد بقوله تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ يوم تُبلى الأجسام . وبلاء الأجسام له أسبابٌ كثيرةٌ ، كالفقر المدقع والمرض الشديد الذي يبلي الأجسام والزهد غير المستند إلى الرياضات
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 195
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٥