وقوله تعالى : ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ أي : بأمر الله لا بأمر العبد ، إلّا أنَّ للعبد قدرةً واختياراً ، فله أن يزيل المانع من قبيل الشهوات والكدورات .
* * * * قوله تعالى : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ :
أفاد الراغب : أنَّه يُقال : بلي الثوب بلى وبلاء ، أي : خلق ، فصار عتيقاً وممزّقاً . ومنه قيل لمَن سافر : بلاه السفر أي : أبلاه السفر « 1 » ، أي : يضعف وينهك ويصل في الغالب مريضاً إلى أهله ؛ لشدّة ما يلقاه في سفره . ولذا قيل في الأمثلة القديمة : السفر قطعة من سقر . وكان الناس يخافون من السفر ؛ لما يرافقه من شدّة الحرّ والبرد والوحوش واللصوص .
وأضاف الراغب : أنَّ بلوته بمعنى : اختبرته ، أي : استكشفت ما عنده ، كأنَّي أخلقته من كثرة اختباري له . وقد استعملت مادّة ( بلى ) في هذا المعنى ؛ لأنَّ المرء من كثرة الإصرار عليه يضعف ويهزل كالثوب . وبعبارة أُخرى : كأنَّي أخلقته وبلوته بكثرة اختباري له .
وقرئ : هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ « 2 » ، أي : تعرف حقيقة ما عملت ، فالله يبلو الأنفس ، أي : يعرف حقيقة ما عملت ؛ ولذلك قيل : أبليت فلاناً إذا اختبرته ، وسمّي الغمّ بلاءً من حيث إنَّه يبلي الجسم ، أي : يضعف جسم الإنسان . قال تعالى : وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ « 3 » وكذلك وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
هامش
( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 59 ، مادّة ( بلى ) .
( 2 ) سورة يونس ، الآية : 30 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 49 ، وسورة الأعراف ، الآية : 141 ، وسورة إبراهيم ، الآية : 6 .