ومنها : أنَّا إذا تنزّلنا عن الجواب الأوّل نقول : إنَّنا نجيز استعمال الحروف في موضع بعضها الآخر حقيقةً أو مجازاً ، وفي المقام أُستعملت ( من ) بمعنى الباء حقيقةً أو مجازاً .
ومنها : أنَّ المراد من ( من ) في الآية ليس الباء وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ بل المراد ( من ) التبعيضيّة ؛ لأنَّ هذا هو مقتضى جعل الحيّ من الماء ، أي : إنَّ الماء على أبعاضٍ ، فالإنسان تسعون بالمئة منه ماء ، فصار الماء على أبعاضٍ ، منه إنسانٌ ومنه حيوانٌ ومنه نباتٌ ، وهذه الموجودات - بعد إسقاط الخصائص عنها - تبقى ماءً ، لا أقلّ ولا أكثر . ومن هذه الناحية تكون هذه الموجودات أبعاض الماء ، فخلق من الماء بشراً ، وخلق من الماء حيواناً ، وخلق من الماء نباتاً ، وهكذا ، وهذه الأشياء جميعها يُقال لها ماءٌ بالحمل الشائع .
ولعلّ في المقام قراءة مفادها : ( وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّاً ) « 1 » بدل كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وعليه فهل يختلف الأمر ؟
والجواب : أنَّ الأمر لا يختلف إطلاقاً ؛ لأنَّه إذا كان التعبير : ( وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّاً ) وأُخذ على إطلاقه يصحّ أنَّه حتّى الشيء الميّت جعلناه حيّاً ، ونحوه الجماد والصخر ، وهو غير محتمل ، فلابدّ من التقييد حينئذٍ .
وهنا نقول - ولو على مستوى الذهن - : إنَّ المقصود هو الشيء الحيّ ، لا كلّ شيء ، فرجع الأمر إلى قولنا : ( وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حيّ حيّاً ) .
ثُمَّ إنَّه على تلك القراءة يُقدّر المنصوب ، وعلى هذه القراءة يُقدّر المجرور ، إلّا أنَّ النتيجة واحدةٌ .
إن قلت : إذا كان المراد من الماء - أي : ( الماء الدافق ) - الماء المعروف ، فلا
هامش
( 1 ) وهي القراءة المرويّة عن ( حميد ) . أُنظر : معجم القراءات القرآنيّة 134 : 4 ، سورة الأنبياء .