فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ هو الناظر وهو الفاعل ، وأمّا المنظور فمسكوتٌ عنه ، فيمكن أن يكون أيّ شيءٍ آخر .
وثانياً : أنَّ الذي أشرنا إليه في الجملة من وحدة الضمير ومرجع الضمير يُراد به : أنَّ الإنسان مذكورٌ مرّةً أُخرى في ضمير قوله : فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ بمعنى : فلينظر الإنسان ممّ خلق الإنسان .
وحينئذٍ عاد الإشكال مرّةً أُخرى ، وعندها نقول : إنَّه يمكن رفع اليد عن هذا المعنى بأن نقول : إنَّه لا وحدة بين الضمير ومرجعه ، بل الضمير يرجع إلى أُمورٍ أُخرى أعمّ من الإنسان أو مباينة للإنسان - بمعنى من المعاني - . يعني : أنَّ قوله : فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ مفاده : فلينظر الإنسان إلى كلّ شيءٍ أو إلى كلّ شيءٍ دون الإنسان .
مضافاً إلى ذلك أنَّنا يمكن - بعد أن نتنزّل عن الجواب السابق - أن نقول : إنَّ الضمير عائدٌ إلى الإنسان ، لكن بعد أن نجرّد الإنسان عن الخصوصيّة ، فلا حاجة بنا إلى النظر إلى خصوصيّة الإنسان ، ولا حاجة أن ينظر الإنسان إلى خصوص الإنسان ، أي : لا حاجة إلى أن ينظر الإنسان إلى مجرّد الإنسان الواقع مفعولًا ، وإنَّما ينظر إلى كلّ ما في الخلق .
ربما يُقال : إنَّه يمكن أن نحصّص الإنسان إلى حصّتين : مطلق الإنسان والإنسان المطلق الذي هو فرع كون الألف واللام عهديّةً .
وعليه فالإنسان المطلق مستبطنٌ لكلّ شيء فيه حقيقةً أو رمزاً مِمَّ خُلِقَ ، أي : فلينظر الإنسان المطلق أنَّه ممّا خلق حينئذٍ ، قد خلق من الخلق كلّه ، فيعود الضمير تلقائيّاً إلى الخلق كلّه .
لا يُقال : إنَّه لا حاجة بنا للإنسان المطلق في أن ينظر ويتدبّر .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 158
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٥٨