تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فإنَّه يُقال : إنَّما صار مطلقاً بعد أن نظر وتدّبر واستغنى عن هذه الجهة . وفي الحقيقة أنَّ النظر إذا كان يُراد به إثبات وجود الخالق أو إثبات يوم القيامة بلحاظ أنَّ القادر على المبدأ قادرٌ على المعاد ، فهو مسدودٌ أمام الإنسان المطلق ؛ لأنَّ الإنسان المطلق في غنىً عن ذلك ، إلّا أنَّ المراد ليس ذلك النظر ، فالأمر بالنظر له ملاكاتٌ وعللٌ مختلفةٌ ، منها نفس الالتفات إلى هذا المعنى من النظر إلى تكوينك أو معرفة نفسك ، فإذا عرفت نفسك عرفت ربّك « 1 » . ومن هذه الناحية ليس المراد أنَّه إثبات يوم القيامة كما عليه مشهور المفسّرين ، وإنَّما بملاكٍ آخر . وقد يُقال : إنَّه اتّضح ممّا سبق في بيان قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 2 » : أنَّ ( من ) بمعنى الباء والمعنى : جعلنا بالماء كلّ شيء حيّاً ؛ لأنَّا ذكرنا أنَّه : بسبب الماء صار كلّ شيءٍ حيٍّ حيّاً : فما هو الوجه في ذلك ؟ ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ : منها : أن نقول : إنَّ ( من ) تكون للسببيّة ، كما تكون الباء للسببيّة أيضاً ، كما يُقال : صنعت الإبريق من الطين ، أي : بسبب الطين ، كما في قوله تعالى : مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ « 3 » ، أي : إنَّك بسبب نعمة ربّك لست مجنوناً .
هامش
( 1 ) إشارةٌ إلى الحديث الوارد عن رسول الله ( ص ) : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، حسبما رواه في عوالي اللئالي 102 : 4 ، الحديث 149 ، وغيره . كما أورده غير واحدٍ عن مولانا أمير المؤمنين ( ع ) ، فراجع الغرر والدرر : 232 ، الحديث 4637 ، باب معرفة النفس وعلائمه ، وغيره . ( 2 ) سورة الأنبياء ، الآية : 30 . ( 3 ) سورة القلم ، الآية : 2 .