فإن قلت : إنَّه لا يُراد في هذه الآية الماء المعروف الذي نحن بصدده ، بل يُراد به أنواع المني الإنساني والحيواني ؛ لأنَّه مخلوقٌ حيّ خُلق من ماءٍ دافقٍ ، فالمراد من وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ أي : جعلنا من المني كلّ شيءٍ حيٍ ، كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً « 1 » . ونحوه قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ « 2 » وقوله تعالى : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ « 3 » .
ويمكن الجواب عنه بوجهين :
الأوّل : ما هو في الحقيقة إشكالٌ على مشهور المفسّرين ؛ فإنَّهم توهّموا أنَّ الحي هو خصوص الإنسان والحيوان ؛ لأنَّهما يخلقان من مني وماءٍ ، وأمّا الأحياء التي لم تخلق من مني فكثيرة جدّاً ، كالحشرات والميكروبات التي لا تتكاثر بالتوالد . فليس كلّ حي مولوداً من ماءٍ ، وإنَّما التكاثر كما في الأميبا يكون بالانقسام ، فالأميبا تنقسم ثُمَّ تنقسم إلى غير نهاية ما دامت الأرض ، فهل خلقت من ماءٍ بالمعنى الذي عليه فهم المشهور ؟ مع أنَّنا لم نتعدَ الفهم المادّي والحياة المعهودة .
الثاني : أنَّنا نتعدّى الحياة المعهودة ، لننظر إلى الجنّ والملائكة ، فنسأل : هل الجنّ والملائكة أحياءٌ أم أمواتٌ ؟ ونحن كمسلمين لا يمكن أن ننفي وجودها وحياتها ، مع أنَّها لم تولد بنحو التوالد .
إن قلت : إنَّ الجنّ خلقوا بنحو التوالد .
قلت : نعم ، ما ذُكر احتمالٌ راجحٌ ، إلّا أنَّ الملائكة لم يخلقوا بنحو التوالد ،
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 54 .
( 2 ) سورة النور ، الآية : 45 .
( 3 ) سورة السجدة ، الآية : 8 .