الجهة الثالثة : التمسّك بنحو قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 1 » .
وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنَّ الجعل يمكن أن يُراد به الجعل المركّب أو الجعل البسيط ، أي : يمكن أن يُراد به مفاد كان التامّة ، أو مفاد كان الناقصة ، وبعبارة أُخرى : يمكن أن يُراد به الفعل اللازم أو الفعل المتعدّي . فعلى أيّ نحو يكون ؟
وللإجابة عن ذلك نقول : إنَّ مشهور المفسّرين ذهبوا إلى أنَّ الجعل هنا جعلٌ « 2 » بمفاد كان التامّة ؛ لأنَّه لم يأخذ إلَّامفعولًا واحداً ، إذ أنَّ قوله : وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أخذ مفعولًا واحداً ، وفعل جَعَلَ يتعدّى إلى مفعولين ، فكان ينبغي أن يقول : ( كلَّ شيءٍ حيّاً ) ، فهذا هو الفرق ، ولو كان جعلًا مركّباً لقال : ( جعلنا كلّ شيءٍ حيٍّ حيّاً من الماء ) في حين أنَّه قال : وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ، أي : جعل كلّ شيءٍ وخلق كلّ شيءٍ من الماء ، أي : بنحو الجعل البسيط لا المركّب .
وهنا يمكن أن نقول أيضاً : إنَّه يمكن أن نفهم من ( جعل ) الجعل المركّب أو مفاد كان الناقصة ، إلّا أنَّنا نحتاج إلى تقديرٍ ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ حيّاً ) . والفرق أنَّ اللفظ سيكون أكثر نفوراً ، وهو الذي دعى إلى حذف الخبر أو إلى حذف المفعول الثاني ، وإلّا فالمراد ذلك ( جعلنا الحي حيّاً بالماء ) .
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية 30 .
( 2 ) أي : بمعنى : أصل الايجاد .