حقيقةً ؛ لأنَّه يلزم منه الأمر بما لا يطاق ، فحينئذٍ لابدّ من أن نفهم من هذا الضمير العموم فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ، أي : ينظر إلى الذي خلق منه الإنسان عموماً ، وإن كان على خلاف السياق في مرجعيّة الضمير . وبذلك نفهم من الإنسان والضمير معاً العموم . وإذا تنزّلنا عن ذلك الوجه وقلنا : إنَّ المراد من الإنسان الفرد ، فحينئذٍ يتعيّن أن يُراد منه الضمير بوحدة السياق ، إلّا أنَّنا في هذا الوجه نتنازل عن وحدة السياق ونقول : مع أنَّ مرجعه هو الفرد ، إلّا أنَّنا نعتقد هنا أنَّ مرجعه العام هو النوع لا الفرد .
* * * * قوله تعالى : خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ :
أفاد الراغب : أنَّ قوله تعالى : مَاءٍ دَافِقٍ أي : سائلٍ بسرعةٍ ، ومنه أُستعير : جاءوا دفقةً ، أي : جاءوا مسرعين . وبعيرُ أدفق : سريعٌ ، ومشى الدفقي أي : يتصبّب في عدوه كتصبّب الماء المتدفّق ، ومشوا دفقاً « 1 » .
فالتدافق عبارةٌ عن تدافع الماء وسرعة جريه بصفته سائلًا : مجازاً أو حقيقةً ، ولا يختصّ بالماء ، بل كلّ سائل : حليباً كان أو خلًا ، ونحوه ما تخرجه البراكين من فوّهاتها من المعادن الذائبة التي تخرجها بكمّيّاتٍ هائلةٍ جدّاً ، مع أنَّها ليست ماءً ، لكنّها تتدفّق كالأنهار ، فيشمل كلّ شيءٍ يشبه السائل في تدفّقه وسرعته ، من قبيل أن نتصوّر أنَّ رملًا يتدفّق أو حصى يتدفّق ، مع أنَّ الرمل والحصى ليسا سائلين ، كما هو واضحٌ .
ثُمَّ إنَّ دافق اسم فاعل ، ويمكن في اللغة استعمال اسم الفاعل بمعنى
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 172 ، مادّة ( دفق ) .