فيكون هذا قرينةً متّصلةً على أنَّ المراد من الموصول المني مِمَّ خُلِقَ أي : من الماء الدافق ، وبهذه القرينة يكون المراد من ( من ) السببيّة ؛ لأنَّ المني سبب وجود الإنسان .
أقول : ينبغي هنا - قبل أن نذكر الجواب - الإشارة إلى أنَّه لا يتعيّن أن يكون المراد من ( من ) السببيّة ، بل قد يُراد منها التبعيضيّة ، مع حفظ ما فهمه المشهور من السياق من إرادة المني ؛ لأنَّ الإنسان لا يخلق من كلّ المني ، بل من بعضه ؛ لأنَّ واحداً من ألف ألف يساهم في تشكيل الجنين ، وهو ما يسمّى بالحويمن ، فيصدق بناءً على هذه النظرية مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ، أي : من بعض الماء الدافق ، ويُراد من ( من ) التبعيضيّة لا السببيّة .
ويعضده أنَّ الإنسان لا يُخلق من كلّ المني ، بل من بعضه ؛ لأنَّ المني لا يدخل جميعه إلى المهبل ، بل يخرج جزءٌ منه .
وأمّا الجواب فنقول : إنَّه لا ملازمة بين الآيتين ؛ لأنَّه قد يكون المراد من الآية السّابقة الأعمّ ، ويكون المراد من الآية اللاحقة الأخصّ ، من قبيل فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ من أيّ شيء ؟ خُلق من مادّة وصورة فاعليّة ، ثُمَّ يذكر له حصّة خاصّة من الشيء الذي خلق منه ، وهذا الشيء الخاصّ ذكر بالخصوص ؛ لأنَّه يشكّل حالة إعجازٍ ، وهو ( الماء الدافق ) ، ووجه الإعجاز تحوّل الماء الدافق إلى إنسان ذي شعورٍ وعقلٍ وحركةٍ .
فتكون الآية الثانية أخصّ من الأُولى لا متساوية معها ، بل بينهما - بمعنى من المعاني - نسبة العموم المطلق ، ولا يتصوّر أن تكون الثانية أعمّ من الأُولى ؛ فالأُولى إمّا أعمّ وإمّا مساوية ، على هذا لا يتعيّن أن يكون المراد من مِمَّ خُلِقَ خصوص المني .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 148
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٨