الوجه الرابع : أن يُراد من ( ما ) الموصولة ومن ( الماء ) جنس الماء ، لا خصوص الماء الذي خلق منه الفرد نفسه ؛ لأنَّ الإشكال الأساسي في أنَّ الإنسان يتعذّر عليه أن ينظر إلى الماء الذي خلق منه كفردٍ .
وعليه فقوله تعالى : مِمَّ خُلِقَ ، أي : إلى مطلق النطف التي يخلق منها البشر ، أو سائر الحيوانات الولودة ، أو سائر العلل المادّيّة والغائيّة والصوريّة والفاعليّة ؛ فإنَّها يصدق عليها أنَّها ممّا خلق منها الإنسان ، فيندرج ما ذُكر في إطلاق الآية .
إن قلت : إنَّ في قوله : فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ تكليفاً بالنظر ، فإذا كان المراد العموم ، كان تكليفاً بالنظر إلى كثيرٍ من الأشياء ، وهو خارجٌ عن الطاقة البشريّة ، ولا يُعقل أن يكلّف الإنسان بالنظر إلى كلّ العلل والمكوّنات الداخلة في كلّ البشر أو كلّ الحيوانات ، فضلًا عن أنَّ الكلّي غير مرئي ، وإنَّما هو متصوّر يراه الذهن ، ولا تراه العين الخارجيّة .
قلت : يمكن الجواب عنه بوجوهٍ :
الوجه الأوّل : ما تقدّم سابقاً من : أنَّ المراد من النظر ليس هو النظر بالعين ، بل النظر بالفكر والبصيرة والعقل ، ولذلك منشأٌ لغوي ، كما أشرنا إليه آنفاً .
الوجه الثاني : أنَّ المراد من النظر ليس استيعاب النظر لكلّ المصاديق حتّى يخرج عن قدرة البشر ، بل النظر إلى بعض المصاديق ، أي : أن ينظر إلى شيءٍ ممّا خلق منه ، أو ممّا خلقت منه المخلوقات ، ولا يُحتمل أن يكون المراد استيعاب المصاديق ، ويكفي أن نلتفت إلى أنَّه متعذّرٌ ، فيكون الأمر به متعذّراً أيضاً .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 149
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٩