لأنَّه لا يتعيّن أن يكون المقصود من ( حافظ ) الحافظ في الآخرة ، ولا يمكن أن نقول : إنَّه حافظٌ في الدنيا ؛ لأنَّه معنىً مستقلٌّ ، فالتفريع حينئذٍ يسقط من هذه الناحية ، ولا معنى له .
فإن قلت : دفاعاً عن السيّد الطباطبائي : إنَّ الآية أفادت بعد ذلك : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ فكأنَّه انعقد للكلام سياقٌ معنوي متكاملٌ في الإشارة إلى يوم القيامة ، ف - ( رجعه ) يشير إلى أنَّ المقصود منه يوم القيامة ، فيكون بمنزلة القرينة المتّصلة على أنَّه حافظٌ في البرزخ وفي القيامة .
أقول : لا ملازمة بينهما ؛ فقوله تعالى : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ بيانٌ لأمرٍ ، وقوله تعالى : إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ بيان لأمرٍ آخر ، فلا ملازمة بينهما على ما سيأتي في الكثير من الكلمات الآتية ، مع أنَّ ذلك متوقّفٌ على إرجاع المشهور والسيّد الطباطبائي الضميرَ المفعول ( أي : ضمير الغائب ) في ( رجعه ) إلى ما قبله من آيات فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ، أي : ( على رجع الإنسان لقادر ) ، أمّا إذا كان مرجعه لفظاً آخر ، فلا ربط للآية بيوم القيامة ، فتسقط القرينة المدّعاة حينئذٍ .
الأُطروحة الثانية : أنَّ الغرض ذكر الرقابة على الأعمال ، وقوله تعالى : عَلَيْهَا حَافِظٌ أي : رقيب ، وهو إشارةٌ إلى تلك الرقابة وتلك الأعمال المكتوبة في عالم آخر .
إذن الرقابة تحتاج إلى يوم القيامة ، ويوم القيامة يحتاج إلى دليلٍ ، والدليل قوله تعالى : فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ وما ذكر يختلف عمّا طرحناه سابقاً ؛ إذ ليس له علاقة بالنفس ولا بالحفظ .
الأُطروحة الثالثة : أنَّه بعد أن ذكر الرقابة على الأعمال وأنَّه تعالى رقيبٌ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 144
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٤