الأمر الثاني : أنَّه إذا قلنا : ( وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ حيّاً ) لكانت هذه الجملة بمنزلة القضيّة بشرط المحمول ، والقضيّة بشرط المحمول قبيحٌ بيانها ؛ وذلك للكبرى القائلة : إنَّ القضية بشرط المحمول بيانها من قبيل توضيح الواضحات ، وتوضيح الواضحات من الأُمور المستهجنة القبيحة .
ويمكن الجواب عن ذلك بوجوهٍ :
الوجه الأوّل : الطعن بالكبرى ، فعليه نقول : فلتكن القضيّة بشرط المحمول ، والقضيّة بشرط المحمول وإن كانت من قبيل توضيح الواضحات الذي هو أمر مستهجن ، إلَّا أنَّ هذا الإستهجان أو القبح يندفع إذا تصوّرنا فائدة أو غاية عقلائيّة ، فحينئذٍ لا يكون هذا الأمر قبيحاً أو مستهجناً .
الوجه الثاني : الطعن بالصغرى ببيان : أنَّ هذه الجملة ليست قضيّةً بشرط المحمول ؛ لأنَّها إنَّما تكون قضيّةً بشرط المحمول فيما إذا أُخذ القيد احترازيّاً ، وما نحن فيه ليس كذلك ، بل الموضوع ليس هو الحيّ بما هو حيّ ، بل ذات الشيء الحيّ لا بصفته حيّاً ، ويُستفهم عن سبب حياته ، فيُقال : إنَّه بالماء جعل هذا الحي حيّاً ، فلا تكون القضيّة بشرط المحمول .
ثُمَّ إنَّ من جملة الوجوه في تفسير قوله تعالى : وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ « 1 » أنَّ المراد من الماء هنا هو الماء المعروف بالخصوص .
فنقول : لا يلزم أن تكون الآية إشارةً إلى بداية جعل الحياة ومنشأها ، كما توهّم « 2 » ، بل هي تشير إلى الحياة استمراراً ؛ لأنَّ الجزء الأكبر من الحياة يبقى عدّة سنوات ثُمَّ يموت ، فالاستمرار في الحياة هو معنى الحياة العرفيّة المشار
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 30 .
( 2 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 279 : 14 ، تفسير سورة الأنبياء ، وغيره .