وأمّا الكلام عن الفاء في قوله تعالى : فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى فنقول : إنَّ الفاء للترتيب ، وهنا الفاء للترتيب بانفصالٍ لا باتّصالٍ ؛ لأنَّ هناك فترةً من الزمن حتّى يتحوّل إلى غثاءٍ . ويمكن أن يُفهم منها أنَّها للترتيب باتّصالٍ بأحد نحوين :
النحو الأوّل : أن نقول ضمناً أو ارتكازاً بسقوط الفترة الزمنيّة المتوسطة بين تلك العملّية : إمّا لأنَّ تلك الفترة من وقت نموّ النبات حتّى تحوّله إلى غثاء قصيرة لا يكاد يُلتفت لها ، وإمّا لأنَّه مهماكانت تلك الفترة طويلةً إلّا أنَّها بالقياس الإلهي لا تمثّل شيئاً ؛ وذلك لأنَّ نسبة المتناهي إلى اللامتناهي نسبة الصفر والعدم .
النحو الثاني : أن نتنزّل عن النحو الأوّل ونقول : إنَّ المدّة حاصلةٌ ومأخوذةٌ بنظر الاعتبار ، فتكون الفاء هنا قد أُستعملت مجازاً ، والمجاز في الحروف جائزٌ وصحيحٌ في اللغة ولا مانع منه .
ويمكن إضافة أمرٍ ثالثٍ ، وهو أنَّنا يمكن أن نفهم أنَّ الفاء للأعمّ ، أي : للجامع ما بين الفترة القريبة والبعيدة .
ثُمَّ ما الفاعل في قوله جَعَلَهُ ؟
والجواب : أنَّ الفاعل ضميرٌ مستترٌ تقديره هو يعود إليه تعالى ، والتقدير : ربّك أخرج المرعى وربّك جعله غثاءً أحوى .
فإن قلت - والنظر من زاويةٍ مادّيّةٍ ودنيويّةٍ - : إنَّ الذي جعله غثاءً أحوى هو السيل أو الحيوانات بعد أكلها للمرعى ، ولا دخل لله سبحانه في جعله غثاءً أحوى ؟
قلنا : إنَّ الله سبحانه مسبّب الأسباب ، وقد ثبت في علم الكلام
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 109
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٠٩