تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
المعنى المراد . قال الراغب في « مفرداته » قوله عزّ وجل : فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى أي : شديد السواد . . . وقيل : تقديره : ( والذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاءً ) « 1 » . والمراد : أنَّ ( أحوى ) يرجع إلى الآية السابقة : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ، وعلى هذا يكون معنى ( أحوى ) أخضر لا أسود ، ومعنى الآية حينئذٍ : الذي أخرج المرعى أخضراً ، ثُمَّ جعله غثاءً أحوى ، أي : شديد الخضرة ، لا شديد السواد . ولذلك قال الراغب : والحوّة شدّة الخضرة « 2 » . أقول : يمكن الالتفات إلى قضيّةٍ مهمّةٍ في المقام ، وهي أنَّ العرب تخلط ذهنيّاً بين الخضرة والسواد ، فتسمّي الأخضر أسود وبالعكس ، وحتّى لو قيل : إنَّ أحوى بمعنى أسود ، فقد يكون مرادهم الأخضر ، ويكون مرادهم من شديد السواد أي : شديد الخضرة ، فضلًا عمّا إذا فهمنا من الأحوى الأخضر بصورةٍ مباشرةٍ وبالدلالة المطابقيّة . وبهذا يتّضح تعبيرهم عن الأرض الواقعة بين دجلة والفرات بأرض السواد ، لأنَّها كانت شديدة الخضرة ؛ لكثرة النخيل والأشجار . ويتحصّل ممّا سبق : أنَّنا إمّا أن نقول بمقالة الراغب ، وهي أنَّه أخرج المرعى أخضر ثُمَّ جعله غثاءً أحوى ، أي : شديد الخضرة . وإمّا أن نقول بأنَّ أحوى صفة للغثاء لا للمرعى ، فالغثاء الذي هو ما جرفه السيل من نباتات وأشجار يكون على الرغم من ذلك أخضر ، ولعلّه الأقرب إلى الفهم ، كما أنَّ الغثاء أقرب من المرعى إلى الصفة التي هي ( أحوى ) .
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 137 ، مادّة ( حوا ) . ( 2 ) المصدر السابق .