ثُمَّ قال : والمراد هنا - كما قيل - اليابس من النبات « 1 » .
ويبدو أنَّه ( قدس سره ) لا يدعم المعنى الأخير ؛ إذ لا مستند لغوي له ، ولذلك عبّر عنه بالقيل ، فالغثاء هو ما يجرفه السيل من أخضر ويابسٍ .
وقال الراغب في « مفرداته » الغثاء : غثاء السيل والقِدر ، وهو ما يطفح ويتفرّق من النبات اليابس وزبد القِدْر ، ويُضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتدّ به . ويُقال : غثا الوادي غثواً وغثت نفسه تغثي غثياناً : خَبُثَتْ « 2 » .
وعبارة الراغب تؤيّد كون الغثاء ما يقذفه السيل .
ولنا أن نتسائل في قوله تعالى : فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى قائلين : إنَّ موضوع الآية هو النبات ، فهل يتحوّل النبات كلّه إلى غثاءٍ أحوى ؟
ويكفي في الجواب أن نفهم أمرين :
الأمر الأوّل : أنَّ النبات نفس ، والله سبحانه قال : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ « 3 » ، سواء كان إنساناً أم حيواناً أم نباتاً . وإن أبيتَ عن كون النبات نفساً ، فلا أقلّ من أنَّنا نجرّد الخصوصيّة ، ونصوغ فهماً للآية بنحوٍ من أنحاء التجريد عن الخصوصيّة من ذي الروح إلى غير ذي الروح .
الأمر الثاني : أنَّ حاصل النبات كلّه يكون إلى التلف والهلاك ؛ لأنَّه إمّا أن تأكله الحيوانات فيتلف ، وإمّا أن يجفّ ويتقطّع فيتلف ، بلا فرقٍ بين النباتات الكبيرة والصغيرة ، والكلّ مصيره إلى التلف والهلاك . ولعلّه إلى ذلك أشار أمير المؤمنين وإمام الموحدين ( ع ) في النهج الشريف : « إنَّ لله ملكاً ينادي
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 266 : 20 ، تفسير سورة الأعلى .
( 2 ) مفردات ألفاظ القرآن : 370 ، مادّة ( غثا ) .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 185 .