ولعلّ الذي دفع إلى هذا الكلام والاستشهاد بقوله تعالى : وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى أنَّ العرب في الجاهليّة أو في الإسلام كانوا يخرجون إلى البراري ويشاهدون النباتات التي نمت بقدرة الله سبحانه من دون تدخّل أحدٍ في زراعتها .
ثُمَّ نقول : إنَّ المقصود بالمرعى هو النبات لا الأرض ، مع أنَّ المرعى حسب الوضع الطبيعي في اللغة هي الأرض ، إلّا أنَّ الظاهر أنَّه أُستعمل ( المرعى ) فيما ينبت في المرعى ، لا نفس المرعى ، والاستعمال هنا مجازي .
ولغرض فهم الآية ببُعدها الباطني نقول : أخرج بمعنى : يسّر ودبّر ووفّق ، وكما وفّق الحيوانات إلى المرعى بإخراجه لها ، كذلك وفّق كلّ شيء من خلقه إلى ما هو بصالحه ، ويعبّر عن المصلحة هنا بالمرعى ، أي : محلّ الحصول على المصلحة ، أو قل : الحصول على الكمال وسدّ النقص الدنيوي أو الأُخروي .
بل يمكننا أن نطلق على الكتاب مثلًا مرعى ، أي : محلّ إفادة الدرس ، وكذلك على المحلّ التجاري . . . وهكذا ، مع التأكيد على أنَّ جميع هذه الاستعمالات استعمالاتٌ مجازيّةٌ .
* * * * قوله تعالى : فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى :
قال الطباطبائي ( قدس سره ) في « الميزان » الغثاء ما يقذفه السيل على جانب الوادي من الحشيش والنبات « 1 » ؛ وذلك لأنَّ الثلوج الشتائيّة تذوب في الربيع والصيف ، فتجرف ما هو موجودٌ من أشجارٍ ونباتاتٍ على الجبال ، فتقذفها على الوادي ، وهذا المقذوف من الأشجار والنبات هو الغثاء .
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 266 : 20 ، تفسير سورة الأعلى .