تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
الاستفادة من الأشياء ، وأمّا بالنسبة إلى الله سبحانه فلا يُتصوّر في حقّه ذلك أبداً ؛ لأنَّه الغني المطلق . وبيان ذلك : أنَّ العلّة الغائيّة بالمعنى الذي ينطبق على الخلق لا ينطبق على الله سبحانه ؛ لأنَّ المعنى الذي ينطبق على المخلوقين فيه تعدّدٌ وتكثّرٌ ، والتعدّد والتكثّر لا يصدق على البسيط . وحينئذٍ لابدّ من تصويرٍ للعلّة الغائيّة يتناسب مع الله سبحانه ؛ لأنَّ العلّة الغائيّة نصّ عليها القرآن الكريم ، ونُسبت إلى الله سبحانه في قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » . واللام في قوله ( ليعبدون ) للغاية والسببيّة . ويرد عليه : أنَّ الماضي والحاضر والمستقبل كلّه حاضرٌ لدى الله تعالى ، فهو الموجود المطلق اللامتناهي ، وأمّا بالنسبة إلى الإنسان فالماضي والحاضر والمستقبل مختلفٌ ؛ لأنَّه يعيش في ضمن الزمان والمكان ، فالماضي والحاضر والمستقبل مجهولٌ بالنسبة إليه ؛ لأنَّه أمرٌ غيبي عنه . وأمّا بالنسبة إلى الله تعالى فالوجودات المختلفة زماناً مشتركةٌ في علمه وحاضرةٌ عنده ، فيعلم بأفعال العباد قبل صدورها منهم ، وعندما تحصل كلّ الملابسات الزمانيّة والمكانيّة يصدر الفعل من العبد . فعلمه سبحانه بأفعالنا علمٌ حضوري ، أي : إنَّها قائمةٌ بذاته ، فتكون أفعالنا - بمعنىً من المعاني - مسبّبةٌ عن علم الله تعالى ، والله سبحانه لا يفعل إلّا ما هو مطابقٌ للحكمة . ولذلك عندما يقول : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » ، كان المراد حكمة العبادة التي هي المعرفة ، كما في
هامش
( 1 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية : 56 .