نازلٌ للمسلمين جميعاً ، بل للبشر جميعاً ، كما ذكرنا ذلك كثيراً .
المرحلة الثانية : أنَّ السياق قد تحوّل من الغائب في قوله : ( عبداً إذا صلّى ) إلى المخاطب في قوله : كَلَّا لَا تُطِعْهُ . وفيه إشعارٌ واضحٌ بأنَّ المراد في الآيتين سياقٌ واحد ، وهو يناسب ما قلناه في المرحلة الأُولى من أنَّ المنهي يمكن أنْ يكون جزئيّاً أو كلّيّاً .
المرحلة الثالثة : أنَّه يتحصّل من المرحلة الثانية أنَّ الضمير في قوله : لَا تُطِعْهُ راجعٌ إلى ما هو بعيد جدّاً في السياق ، فقد يقال بعدم إمكان ذلك .
وجوابه : أنَّ هذا الاستبعاد إنَّما يكون صحيحاً إذا لم تقم قرينة على هذا الإرجاع ، وأمّا مع قيامها عليه والدلالة عنه فلا مانع منه ، حتّى بعد ألف سطر . والدلالة هنا موجودة ، وهي وحدة السياق ؛ فإنَّه كلَّه يدلُّ على الخصام ما بين المصلّي وبين الذي ينهاه عن الصلاة ، فالأمر في السورة مستمرّ الحديث عنه ، فلا بأس بإرجاع الضمير إليه .
إنْ قلتَ : إنَّ الزبانية لا يدعون ، وإنَّما يلقى الفرد المشرك إليهم ، بينما قوله : فَلْيَدْعُ نَادِيَه يختلف أمرهم عن الملائكة .
قلتُ : جوابه من أكثر من وجه :
أوّلًا : أنَّ دعوة النادي ودعوة الملائكة مختلفتان جذريّاً ، كما قلنا ، وإنَّما ذكر للتناسق اللفظي فقط ؛ وذلك لأنَّ طريق العمل في كليهما مختلف ، يكفي أنْ نلتفت إلى أنَّ أحدهما دنيوي والآخر أُخروي ، وكذلك طريقة التنفيذ .
ثانياً : أنَّه من قال : إنَّ الملائكة لا يدعون ولا يأتون ؟ نعم ، حصّة منهم يُلقى الإنسان إليهم ، لكن البعض منهم يأتون ، كما في حال الاحتضار وبعد الدفن ، بالنسبة إلى ملائكة المحاسبة وملائكة الثواب وملائكة العقاب وغيرهم .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 608
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٦٠٨