وهذان الأمران يجتمعان مع ما قلناه من قبل بأنَّ الإنسان قد يتمرّد على نفسه تارةً وعلى غيره تارةً أخرى بكلا الشكلين . ففي أُصول الدين يكون مضّلًا لنفسه وللآخرين ، قال تعالى : وَمَا يُضِلُّونَ إلّا أَنفُسَهُمْ « 1 » وقال : قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي « 2 » . وفي فروع الدين يكون ظالماً لنفسه أو لغيره ، قال تعالى : إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ « 3 » . وظلم النفس مكرّرٌ في القرآن كثيراً ، ومنه قوله تعالى : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَ - كِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 4 » وقال : فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ « 5 » .
ثالثاً : الشعور بالاستقلاليّة : إمّا بعنوان الشعور بأهمّيّة ذاته ، وهو الاستكبار ، وهو مساوقٌ للشعور بأنَّه هو الفاعل لكلِّ النعم الموجودة في حوزته . قال تعالى عن لسانه : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي « 6 » . وإمّا بعنوان الشعور بالأسباب ، ومثاله قوله تعالى : أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَ - ذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَ - ذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ « 7 » والثاني أعمُّ من الأوّل .
فيراد من قوله تعالى : أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى عقد ملازمة شرطيّة بين الجملتين ، كأنَّه قال : إذا استغنى طغى ، وإنَّما يشعر بالاستغناء إذا ( رآه ) يعني رأى نفسه بالجنبة الاستقلاليّة ، أو رأى نفسه مستغنياً ، أو أنَّ رؤيته للنفس هي الاستغناء ، أو أنَّ هناك
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 113 .
( 2 ) سورة سبأ ، الآية : 50 .
( 3 ) سورة إبراهيم ، الآية : 34 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 57 .
( 5 ) سورة التوبة ، الآية : 36 .
( 6 ) سورة القصص ، الآية : 78 .
( 7 ) سورة هود ، الآية : 72 .