أقول : إنَّ التعليم إذا كان منحصراً به سبحانه ، فهو لا يعلِّم كلّ إنسان ، بل هو خاصّ بالأنبياء ، ومن هنا ذكروا ذلك ، إلّا أنَّه يوجد مقسم آخر ، وهو كلّ إنسان بل جميع الخلق ؛ فإنَّه إنَّما يتلقّى الهداية والتعليم من الله سبحانه ، كما أوضحنا في الوجوه السابقة .
سؤال عن قوله تعالى : مَا لَمْ يَعْلَمْ : ما هو الذي لا يعلمه الإنسان ، وفي أيِّ زمانٍ كان لا يعلم ؟
جوابه : هذا يختلف باختلاف معنى العلم الذي تلقّاه الإنسان من الله سبحانه حسب الأُطروحات السابقة :
فإنْ قصدنا تفسيره بالتعليم الاعتيادي طبقاً للأسباب ، فالإنسان كان قبل هذا التعليم جاهلًا أو قاصراً أو سفيهاً ، وأصبح عالماً بعد ذلك .
وانْ قصدنا ( التذكّر ) وهو منوطٌ بالله سبحانه ، وكلُّ شيءٍ تذكّره فقد تعلّمه ، وزمن الجهل هو النسيان ؛ لأنَّه يقابل التذكّر .
ويمكن - كأُطروحة أُخرى - أنْ نحمل التذكّر على نظريّة ( المُثل ) لإفلاطون ، بأنَّ الروح تنزل في الجنين فيوجد الإنسان ، فيكون ناسياً لعالم الروح ، فإذا تكامل تذكّر ما نسيه ، ويدعم ذلك قصيدة ابن سينا التي يبدأها بقوله عن الروح :
هبطت إليك من المحلِّ الأرفع « 1 » . . . إلى عدّة أبيات .
وهنا لابدَّ أنْ لا نخلط بين النظريتّين : نظريّة المُثل ونظريّة التذكّر ؛ فإنّنا وإنْ سمّيّنا العالم الأعلى بعالم المثل ، إلّا أنَّه ليس تعبيراً دقيقاً ، وإنّما نظريّة المثل تحتوي على
هامش
( 1 ) وتسمّى بالقصيدة العينيّة ، وقد نقلها وشرحها وعلّق عليها وخمّسها كثيرون ، أُنظر : وفيات الأعيان 160 : 2 ، أعلام الزركلي 242 : 2 ، تاريخ الإسلام للذهبي 230 : 29 .