الثالث : أنَّها لابتداء الغاية ، كقولنا : خرجت من الكوفة ، وهذا أوضح في المعنى المادّي للعلق ؛ باعتبار أنَّه أوّل حركة نموّ الجنين .
ويدعم هذا المعنى : أنَّنا نستطيع أنْ نفهم من الخلق في الآية هذا المعنى لا مطلق الخلق ، بل نفهم ابتداءً الإنشاء للخلق ، فتكون ( من ) دالّة على الابتداء لأوّل مرّة ، و ( خلق ) أيضاً تدلُّ على ذلك ، أو قل : ابتداء صنع الإنسان من علق .
الرابع : أنَّها بمعنى ( في ) أي : الظرفيّة ، وهذا أقرب إلى المعنى المعنوي ، وهو التعلّق والحاجة إلى لله تعالى ، فهو بمنزلة الظرف والإنسان بمنزلة المظروف لهذه الحاجة والتعلّق ، فالإنسان في علق .
إلّا أنَّه بعيدٌ ؛ لصعوبة فهم الظرفيّة عرفاً .
سؤال : ما هو ربط اقْرَأْ الأُولى ب - خَلَقَ الإِنسَانَ الذي هو مدخولها ، مع أنَّه غير مربوطٍ بالقراءة ظاهراً ، وخاصةً مع فهم قيد الحيثيّة كما تقدّم ، فلماذا ذكر ؟
جوابه من عدّة وجوه :
أوّلًا : الإشارة إلى الذات ، يعني : ذات الخالق سبحانه ، مع ذكر أهمّ النعم المنسوبة إليه ، وهي أصل الخلقة ، وخاصّةً وأنَّ الخطاب للإنسان ، فيحسن التركيز على خلقته التي هي أهمّ النعم عليه .
ثانياً : أنَّ كلتا العبارتين ( اقرأ ) واحدة في المعنى ، فيكون السياق واحداً ، فيكون المتأخّر كأنَّه مدخولٌ للمتقدّم ، والتكرار إنَّما هو للتأكيد ، أو للتوصّل إلى مدخولها ، فيكون وصفاً للنعمة بخلقة الإنسان وتعليمه ، فيكون المجموع مناسباً مع القراءة .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 559
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٥٩