أقول : وهذا لا يكفي ؛ لأنَّ المفهوم متشرّعيّاً كون الملائكة مأمورين إلزاماً بالنزول ، فكيف يجتمع الإذن الترخيصي والأمر الإلزامي ، وهذا المعنى لم يتعرّض له السيّد في ( الميزان ) .
هناك عدّة أُطروحات لفهم معنى الإذن .
الأُولى : أنَّ المراد بالإذن الوجوب والإلزام ، يعني عدم المانع المقترن بالمقتضي والشرط ، فهو بالمعنى الأعمّ على معنى الإمكان العامّ الشامل للإمكان والوجوب ، فيكون الإذن هنا شاملًا لمعنى الترخيص والإلزام ، والحصّة المرادة هنا خصوص الإلزام .
الثانية : أنَّ الملائكة راغبون في النزول ؛ لأنَّه عملهم وعبادتهم ، فإذا ارتفع المانع أثرَّ المقتضي أثره بالنزول ، وممّا يُشعِر بهذه الرغبة كونهم يستغفرون لمن في الأرض ، كما تشير بعض الآيات الكريمة « 1 » .
الثالثة : أنَّ النازل ليس كلّ الملائكة بل بعضهم ، فمن الممكن أن تكون المسألة اختياريّة لأفرادهم ، وإن كان الأمر بنحو الوجوب الكفائي ، فكلُّ واحدٍ منهم يشعر أنَّه ينزل برخصة لا بإلزام . وهذا يصدق بطبيعة الحال في عالم المحو والإثبات ، وهو العالم الذي يحسُّ به الملائكة ، كما نحسُّ به ، لا في عالم اللوح الأعلى .
فإن قلتَ : إنَّ الملائكة مطّلعون على كلا العالمين ؛ باعتبار وجودهم في الملأ الأعلى ، فيكونون مدركين للإلزام لا للإذن .
هامش
( 1 ) قال تعالى في سورة الشورى ، الآية : 5 ، وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ ، وقال في سورة غافر ، الآية : 7 ، الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا .