ويرد عليه : أنَّه يكون المعنى : أنَّهم حاملون لكلِّ الأُمور ونازلون بها ، وهذا ما لا تطيقه الملائكة ؛ لأنَّ مجموع الأُمور والأوامر كثيرةٌ جداً ، بل هي لا متناهية ، والمحدود لا يطيق تحمّل غير المحدود .
وجوابه : أنّنا هنا نحتاج إلى تقييد مّا ، أي : نقول : بكلِّ أمر خاصٍّ ، كأن يكون خلال سنة ، أو للمخلوقين أو للدنيا ، فتكون الأُمور والأوامر متناهية ، فلا بأس أن تحملها الملائكة .
فإن قلت : الظاهر عدم الحذف والتقدير ؛ فإنَّه خلاف الظاهر إلّا بقرينةٍ متصلة .
قلتُ : إنَّ البحث اللغوي لا يكون له دورٌ هنا ، ولكن مع ذلك فإنّنا يمكن أن نفهم من السياق أنَّ المراد من كلّ أمر ليس كلّ الأوامر اللامتناهية ، وإنّما المتعلّقة بالعدل ونحو ذلك ، فهي أوامر محدّدة ، أي : من كلّ أمر مناسب ، فهو تقييد ارتكازي أو معنوي لا لفظي ، فيمكن أن تحمله الملائكة .
الثاني : أنَّها بمعنى ( التسبيب ) أي : تسبيب الأمر الإلهي إلى النزول ، أو قل : بسبب كلّ أمر ، وهو يمثّل السبب أو المرحلة العليا من الثلاث السابقة .
فإن قلتَ : إنَّ الظاهر هو السببيّة التامّة أو العلّيّة ، وهي تصحُّ إذا كان الأمر بمعنى الطلب لا بمعنى الأش - ياء ( مفرد أوامر لا مفرد أُمور ) ؛ فإنَّها على تقدير الآخر تكون مناسبة مع العلّيّة الناقصة ، فتكون ( من ) قرينةً متّصلة على فهم مفرد أوامر لا مفرد أُمور .
قلتُ : إنَّ النحويّين حين يقولون : إنَّ المراد من الحرف هو السببيّة لا يعنون بها السببيّة التامّة ولا الناقصة ، بل الأعمُّ منهما ، والمورد هنا بالمعنى ( الفلسفي ) اقتضائي ، وليس علّيّاً ، وهو مناسب مع كلا المعنيين ، فلا تكون
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 535
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٣٥