وعندئذٍ ففي الإمكان القول : إنَّ العرف يوافق على فهم الدفعيّة في ( أنزل ) والتدرّج في ( نزّل ) ، يعني : بعضها بعد بعض .
ولكن هذا يحتاج إلى صغرى ، وهي وجود هذا العرف في عصر الصدور والنزول ؛ فإنّنا لابدّ أن نحمل النصَّ القرآني على ما كان يوم نزوله في لغته وعرفه . وعندئذ ففي الإمكان القول : إنَّ ما كان يومئذٍ متحقّقاً في ذلك الحين هو الإنزال الأعمُّ بدون لحاظ التدريجيّة والدفعيّة .
فإن قلتَ : فإنّنا حيث نفهمها الآن يمكن أن نستصحبه استصحاباً عكسيّاً قهقرائيّاً ، كما في غيره من الظهورات ، فيثبت وجوده آنئذٍ .
قلتُ : ولكنَّه معارضٌ باستصحابٍ آخر غير قهقري ؛ لأنّنا نعلم أنَّ الاستعمال قبل الإسلام كان بالمعنى المذكور في أصل اللغة ، وهو مطلق النزول ، ونشكُّ أنَّه بعد الإسلام : هل تحوّل إلى معنى التدرّج أم لا ، فنستصحب عدم التحوّل ، أو قل : بقاؤه على معناه الأصلي ، فيثبت نزول القرآن على ذلك الفهم ، ولا أقلَّ من التعارض والتساقط بين الاستصحابين ، فلا يثبت مراد المشهور .
أو نقول : إنَّ الاستصحاب القهقري لمّا كان عكس القاعدة ، فيقدّم الاستصحاب الموافق للقاعدة ، وهو الآخر المخالف للمشهور في النتيجة .
ونستطيع التمسّك بإطلاق ما هو منزلٌ للشمول لجميعه ؛ فإنَّه لو كان النازل بعضه لبيّنه ، وحيث إنَّه لم يبيّن ، تعيّن أنَّ النازل كلُّه ، فالضمير الذي يعود على القرآن أو إلى غيره نازل كلُّه ، أعني : في قوله تعالى : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ . وهذا على خلاف المشهور .
وبذلك يندفع بالبرهان ما دفعه السيد الطباطبائي بالوجدان ، حيث قال
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 522
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٥٢٢