وبتعبيرٍ آخر : إنَّهم لم يكونوا يعملون تلك التطبيقات : الحجّ والختان لمجردهما ، بل بعنوان كونها لله عزَّ وجلَّ ، والأعمُّ الأغلب كانوا يفعلون ذلك كوظيفة دينيّة ، فرجعنا إلى أنَّ الأصل في الحنيفيّة هو التوحيد .
فإن قلتَ : كيف نسبت الحنيفيّة إلى إبراهيم ( ع ) ، في حين أنَّها تمثّل خطّ الأنبياء جميعاً : من كان قبله ومن جاء بعده ؟
قلتُ : لذلك عدّة أجوبة يجمعها معنى أهمّيّة إبراهيم ( ع ) وعظمته ؛ فإنَّ له صفتين ثبوتيّة وإثباتيّة :
أمّا الصفة الثبوتيّة فهي أنَّه ( ع ) بلغ من صفات التوحيد ودقائقه أكثر ممّن كان قبله ، وقد وصلت البشريّة في زمنه إلى أعلى مرتبة سابقة في توحيد الباري سبحانه .
نعم ، تطوّر الدين في زمن موسى ( ع ) ، ولكن تطوّره كان في فروع الدين لا في أصوله ، وأمّا الزيادة في زمن عيسى ( ع ) فقد كانت التبشير بالمستقبل المقدّس للبشريّة .
إذن فالمبشِّر الرئيسي بالتوحيد هو إبراهيم في عالم الثبوت والواقع .
وإذا تنزّلنا عن ذلك نقول : إنَّه ( ع ) أحسن من بيَّن ذلك إثباتاً ، حتّى نوح ( ع ) لم يستطع ذلك ؛ لأنَّ مجتمعه كان أغلبه كفّاراً ، ولم يؤمن به إلّا القليل ، حتّى أخذه الطوفان ، وأمّا آدم فقد كان عدد البشر في زمنه قليلًا جداً .
ومع التنزّل عن كلّ ذلك يكفي أن يكون الأمر ترغيباً للمتديّنين السابقين على الإسلام للدخول في الإسلام ، وأنَّهم إذا دخلوه كانوا حنفاء أيضاً ، بل كانوا أيضاً على دين الجماعة القيّمة ، وهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ( عليهم السلام ) .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 484
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٨٤