الرابع من مستويات الحديث عن لفظ الحنفاء : أن ندّعي - كأُطروحة - أنَّ حنفاء بمعنى مخلصين ؛ لأكثر من قرينة :
أوّلًا : أنَّ حنفاء إن كان بمعنى الموحّدين أو الملتزمين بدين إبراهيم ( ع ) ، صار بمعنى واحد كالمترادفين ، ونحن نعلم وجداناً أنَّهما ليسا كذلك ، فلابدَّ أن يكون في حنفاء زيادة في المعنى عن معنى الموحّدين ، فندّعي أنَّه بمعنى المخلصين .
ثانياً : أنَّ الراغب - كما سمعنا - قال : الحنف هو ميلٌ عن الضلال إلى الإستقامة « 1 » . والذي يميل هذا الميل هو المخلص الناصح لنفسه ، والمخلص لرِّبه ، وإلّا كان فيه جنف لا حنف .
ولكن ليس كلّ إخلاصٍ هو حنف ، أي : ليس المخلص لأيِّ هدف هو حنيف بل حصّة منه .
فإمّا أن نقول : إنَّ الحنف هو الإخلاص بدرجة عالية ، بحيث يكون الفرد على استعداد بأن يفدي نفسه وأهله وماله ، وإمّا أن نقول : إنَّه الإخلاص للتوحيد أو للدين وليس للدنيا .
فإن قلت : إذا كان ( حُنَفاء ) بمعنى مَخْلِصيِن ، ومخلصين واردة في الآية أيضاً ، فماذا يتحصّل من مفهوم الآية ؟
قلت : هذا له عدّة أجوبة :
الأوّل : أنَّه تكرار بغير لفظه ، فلا يكون قبيحاً ، بل إنَّه مهمٌّ لزيادة الاهتمام والتوكيد .
الثاني : إن ( مَخْلِصيِن ) معنى عامّ ، وحُنَفَاء ( مخلصون لله ) كما قرّبنا ، فيختلفان .
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 133 ، مادّة ( حنف ) .