تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ « 1 » أو قوله سبحانه : كَانَ النَّاسُ أُمّة وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ « 2 » . لأنَّ هناك نحو ملازمة بين الهداية وحصول الاختلاف عمليّاً . فإن قلتَ : كيف يكون إنزال الكتاب وتبليغ العلم سبباً للتفرّق ؟ جوابه : أنَّه يقول في الآية : بَغْياً بَيْنَهُمْ ، فلا يكون العلم بمجرده سبباً للتفرّق والاختلاف ، وإنّما مع انضمامه إلى المكر ، وهو البغي ، أو قل : إنَّ عندهم آخرة مع دنيا ، فأطماع الدنيا هي التي توجب البغي . فإن قلتَ : إنَّ الله تعالى يستطيع أن ينزّل عليهم مقداراً من العلم بما يمنعهم من التفرّق والاختلاف ، فلماذا لم ينزّل علماً غزيراً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ « 3 » ؟ قلتُ : إنَّ الله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها ، ولا يكرههم على الإيمان ، كما قال سبحانه : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ « 4 » . وإنّما ينزل عليهم من العلم بمقدار يتّصف بصفتين عليا ودنيا : الصفة العليا : كونه قابلًا للهداية اقتضاءً لا علّيّةً ، والصفة الدنيا : أن يكون بمقدار استحقاقهم وتحمّلهم واحتياجهم ، لا أكثر من ذلك .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 19 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 213 . ( 3 ) سورة الشعراء ، الآية : 4 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 256 .