عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ »
. ويتأكد هذا المعنى ، بل يصير إلى حد القطع واليقين التام إذا علم أن محمدا ( ص ) كان أميا نشأ في أمة أمية ، عامية بدوية ، لم يمارسوا العلوم قط ، ولا نسب إليهم علم ، ولا تداولوا الفحص عن الموجودات ، كما جرت عادة اليونانيين وغيرهم من الأمم الذين كملت الحكمة فيهم في الأحقاب الطويلة . وإلى هذا أشار اللّه بقوله :
« وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »
وقال أيضا :
« هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ »
وقال :
« الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ »
. ا ه .
وبالتالي ، فإن إتيان محمد بالقرآن الذي حوى من كنوز العلوم ما لم يحوه سفر ، ومجيئه بشريعة تعلو على كل شريعة ودستور قديم وحديث ، مع أنه أمي في تربيته وبيته لأعظم بكثير من المشي على الماء ، والطيران إلى السماء ، بل أعظم من تحول الحجر إلى إنسان ، وهنا مكان الاعجاز الخارق لكل ما هو مألوف ومعتاد « 1 » .
واخترت قول ابن رشد في هذا الباب دون غيره من الفلاسفة والمتكلمين ، لأنه يتفق مع افهام أهل العصر ، ولأنه حق لولا قوله :
« ان الخوارق لا تدخل في اختصاص الأنبياء ، وإن مهمتهم تنحصر بإتيان شريعة صالحة » إذ يمكن أن يلاحظ عليه بأن أكثر الناس جهال لا يعلمون ، ولا يميزون بين سقيم الشرائع وعظيمها ، ولا يفهمون شيئا إلا بلغة المعجزات وخوارق العادات ، وعليه تكون الخوارق واجبة ، وضرورة لازمة في كثير من الأحيان . انها تلزم لا لإقناع الصفوة من الناس ، بل
هامش
( 1 ) مما قلته في كتاب « النبوة والعقل » : ان كل من اعترف بمبدأ النبوة من حيث هو ، وآمن بنبوة نبي واحد كائنا من كان يلزمه قهرا أن يؤمن بنبوة محمد ، لان ما من صفة أو معجزة كانت لنبي الا كان لمحمد مثلها أو أعظم منها ، ومن انكر نبوة محمد يلزمه أن ينكر نبوة جميع الأنبياء دون استثناء .