حويا من العلوم والفوائد ما لا يمكن أن يكتسب بغير الوحي ، وبخاصة القرآن فإنه أخبر بالمغيبات ، فجاءت كما أخبر ، وتحدى المعاندين على أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا ، لأن نظمه خارج عن النظم المألوف عند البلغاء المتكلمين بلسان العرب ، سواء من تكلم منهم بتعلّم وصناعة ، أو تكلم بفطرة وسليقة . ثم قال ابن رشد :
« من أين يعرف أن الشريعة العلمية والعملية هي بوحي من اللّه فقد تكون من كلام عارف قدير ، لا من كلام اللّه » .
قلنا : يتوقف هذا على أن معرفة وضع الشرائع لا تنال إلا بعد المعرفة باللّه وبالسعادة الانسانية ، والشقاء الإنساني ، وبالأمور الإراديات التي يتوصل بها إلى السعادة ، وهي الخيرات والحسنات ، والأمور التي تعوق الإنسان وتورث الشقاء الأخروي ، وهي الشرور والسيئات .
ومعرفة السعادة الإنسانية ، والشقاء الإنساني تستدعي معرفة ما هي النفس ؟ وما جوهرها ؟ وهل لها سعادة أخروية ، وشقاء أخروي أم لا ؟ وإن كان فما مقدار هذه السعادة وهذا الشقاء ؟ وبأي مقدار تكون الحسنات سببا للسعادة ، فكما أن الأغذية لا تكون سببا للصحة في كل حال ومقدار ، وفي أي وقت استعملت ، بل بمقدار مخصوص ، ووقت مخصوص ، كذلك الامر في الحسنات والسيئات ، ولذلك نجد هذه كلها محدودة في الشرائع . وهذا كله لا يعرف إلا بوحي .
وأيضا ان معرفة اللّه على التمام إنما تحصل بعد المعرفة بالموجودات . .
كل ذلك - أي معرفة اللّه وأسباب السعادة والشقاء - ليس يدرى بتعلم ، ولا بصناعة وحكمة . ولما وجدت هذه كلها في الكتاب العزيز على أتم ما يمكن علم أن ذلك بوحي من عند اللّه ، وانه كلام من عند اللّه ، كلام ألقاه على لسان نبيه ، ولذلك قال تعالى :
« لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ