تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الكلام ما زال في أصل الفكرة ، وليس حكمه بالمعجز كحكمه بأن الكل أكبر من الجزء ، لا يفتقر إلى المشاهدة والتجربة . أجل ، ان العقل يحكم بإمكان ظهور المعجز على يد الرسول دون غيره ، أما ان هذا موجود ومتحقق بالفعل فيحتاج إلى دليل . والمتكلمون ذهب عليهم هذا المعنى ، واختفت عنهم هذه الحقيقة ، حيث أقاموا الإمكان مقام الفعل والوجود ، فبدلا من أن يقولوا ، من الممكن أن يظهر المعجز على يد الرسول دون غيره قالوا . كل من ظهر المعجز على يده فهو رسول . ومن أجل هذا عدل ابن رشد عن طريق المتكلمين ، وسلك سبيلا آخر ، يتحصل بأننا لا نعرف نبيا من الأنبياء دعا أحدا من الناس ، أو أمة من الأمم إلى الايمان برسالته ، وقدم بين يدي دعواه خارقا من خوارق الأفعال ، مثل قلب عين إلى عين أخرى ، كقلب الشجر حيوانا والإنسان حجرا ، وأي شأن للأنبياء بتحويل الحقائق إلى حقائق مباينة ، وبالمشي على الماء ، والطيران إلى السماء ؟ ! ان شيئا من ذلك لا يدخل في اختصاصهم ، ولا يجب عليهم أن يحاولوه لو طلب منهم ، لأن مهمتهم تنحصر في تبليغ الوحي ، والهداية إلى ما ينفع الناس . وقد نطق القرآن بهذا :
« وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا
- الاسراء 93 » . ثم ضرب ابن رشد مثلا يوضح هذه الحقيقة قال : لو أن شخصين ادعيا المعرفة بفن الطب فقال أحدهما : الدليل على مهارتي اني أسير على الماء وقال الآخر : أما انا فدليلي اني ابرىء المرضى . ثم مشى الأول على الماء ، وأبرأ الثاني المرضى مستندا إلى برهان قطعي يقتنع به الخاص والعام ،