أما المشيء على الماء فيقتنع به الجهال ، لأن منطقهم أن من يقدر على المشي على الماء الذي ليس من صنع البشر فبالأحرى أن يقدر على الإبراء الذي هو من صنع البشر ، أما أهل الوعي والمعرفة فيقولون : لا دخل للمشي على الماء بفن الطب . وهكذا تكون الحال في انقلاب عين إلى عين أخرى ، فإن دلالة ذلك على النبوة كدلالة المشي على الماء على الطب ، أما نزول الوحي على مدعي النبوة فإنه يدل عليها ، كما يدل الإبراء على الطب .
وإذا كان الأمر كذلك تكون العلامة الدالة على نبوة النبي هي ان يبلغ الناس الشريعة والتعاليم النافعة ، على أن تكون بوحي من اللّه لا بتعلم انساني . وعليه فالرسول من جاء بالوحي من عند اللّه ، لا من ظهرت على يده الخوارق فقط ، اجل ، ان الخوارق إذا اقترنت بالوحي تعززه وتؤيده ، أما إذا أتت منفردة فلا تدل على النبوة ، وبهذا يتبين معنا ان الوحي هو الدليل الصحيح ، والعلامة الصادقة ، وان المعجز الخارق هو شاهد ومعزز للوحي ، وليس بدليل مستقل .
وهنا سؤال يفرض نفسه ، وهو : إذا كانت علامة النبوة الوحي ، فما هي علامة الوحي ؟ ومن اين لنا ان نعلم أن الشريعة التي اتى بها مدعي النبوة هي وحي من اللّه ؟
الجواب
إن علامة الوحي كالوحي لا تخطىء أبدا ، وهي أن تكون تعاليم النبي وما أمر به ، أو نهى عنه من الافعال ، وما نبه إليه من العلوم ، كل ذلك خير وحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وإذا أخبر بشيء لم يوجد بعد فإنه يخرج إلى الوجود على الصفة التي أخبر بها .
ثم قدم ابن رشد مثالا على ذلك « القرآن وشريعة الاسلام » فقد