وغريبة الغرائب أن الذي جابه العالم بهذا القول ، وادّعى هذه الدعوى كان فقيرا بائسا لا يملك مالا ولا عقارا ولا سلاحا ولا جاها ، وليس له أنصار ، ولا هو فيلسوف أو متعلم أو منجّم - بل فرد عادي وكادح من الكادحين . فمن الطبيعي إذن ، أن يقول له الناس في بدء الأمر : أنت مجنون أو ساحر مشعوذ ، تماما كما أقول أنا وأنت لمن يدعي مثل هذه الدعوى اليوم ، وطبيعي أيضا أن يكون صاحب الدعوى مضطهدا من قومه يلاقي أنواع الآلام والتنكيل .
ولكن حبل الكذب قصير ، وإن طال كما يقولون ، والمرائي لا بد أن ينكشف عاجلا أو آجلا ، وإذا استطاع التمويه على الناس ، وتلبيس الحق بالباطل فإلى أمد ، والزمان كفيل بإظهار الحقيقة . وقد أثبت الزمان حقيقة الأنبياء ، وانها أعظم كسب للانسانية ، بل أثبت أن الانسان لولاهم لكان أشبه بحيوان الغاب . وما على طالب المعرفة بهذه الحقيقة إلا أن يقرأ التاريخ ، فسيجد الشواهد والأرقام على أن الأنبياء ارتفعوا بالانسانية إلى أسمى مراتبها العقلية والخلقية ، وليس وراء الأرقام إلا التسليم بصدقهم ونبوّتهم ، والا الإيمان بكل ما قالوه وأخبروا به من عند اللّه .
أجل ، لم يبق علينا وعلى العلماء والفلاسفة إلا الإذعان فقط ، ولا مجال للأقوال والجدال ، ولا المنطق والأقيسة مع الواقع الملموس المحسوس .
وهل يطلب ممن بنى ناطحات السحاب ، وشيّد المدن والعواصم على أحسن ما يمكن ؛ هل يطلب من هذا شهادة من جامعة ، وورقة من مهندس تثبت معرفته بفن البناء ؟ ! وهذي هي الحال بالضبط مع محمد وعيسى .
فإذا طلبنا الدليل على نبوتهما بعد ما أتيا بما أتيا به فقد أشبهنا من يطلب ورقة من الباني العظيم تنص على علمه ومعرفته بعد أن انته من إقامة الصروح . وبالتالي ، فإن نسبة أقوال الفلاسفة في النبوة إلى هذه الحقيقة
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 129
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٢٩