إشكال وحل
أما الإشكال فتقريره ان اللّه لا يمكن أن يعلم الجزئيات والحوادث الفردية ، ولا يمكن أن يجهلها أيضا ، لان الجهل نقصان ، واللّه منزه عنه .
والعلم بها يستدعي محذورين : المحذور الأول أنه لو علم بالجزئيات لصار الممكن واجبا ، لأن علمه لا ينفك بحال عن المعلوم ، فإذا علم بوجود شيء فلا بد أن يوجد ، والا انقلب علمه خطأ وجهلا ، واللّه منزه عنهما .
المحذور الثاني ان الجزئيات تتغير وتتبدل ، حيث توجد بعد أن تكون معدومة ، وتعدم بعد وجودها ، فهي في تغير دائم . ولو علم اللّه بها للزم أن يتغير علمه ويتبدل تبعا لتغير الجزئيات وتبدلها ، لأن العلم صورة مطابقة للمعلوم ، مع أن علم اللّه ثابت على وتيرة واحدة ، وليست له حال متجددة . وعليه يستحيل علمه بالجزئيات ابتداء .
وفرارا من هذين المحذورين قال الفلاسفة : إن اللّه لا يعلم الجزئيات المتغيرة ابتداء وبلا توسط ، وإنما يعلمها عن طريق أسبابها وعللها ، لأنه يعلم ذاته والعلم بذاته علم بكل شيء ، لأنها هي العلة الأولى والمرجع لجميع الأشياء ، إما ابتداء وإما بتوسط العلل الثانوية . والعلم بالعلة - كما أسلفنا - يستلزم العلم بالمعلول . وبهذا جمع الفلاسفة بين تنزيه علم الخالق عن التغير والحدوث ، وبين نفي النقص والجهل عنه .
وقال المتكلمون : إن اللّه يعلم الجزئيات بذاتها وبأسبابها ، كما يعلم الكليات . ودفعوا محذور التغير في علم اللّه بأن معنى علمه بالجزئيات المتغيرة هو أن يضاف الجزئي إذا وجد إلى علمه ، فإذا انتفى انتفت معه الإضافة إلى العلم ، أما العلم نفسه فباق كما هو . مثال ذلك أن زيدا إذا وجد نسب وجوده إلى علم اللّه ، وإذا عدم انتفت النسبة إلى العلم ولم ينتف نفس العلم . تماما كقدرتك على الحديث مع صاحبك : تتحقق إذا وجد الصاحب ، وينتفي الحديث إذا لم يوجد ، أما قدرتك على