وشطح بعض الحنابلة ، وزاد في الغلو ، وقال بان جلد المصحف والغلاف الذي يوضع فيه ، والحبر الذي كتب به ، كل ذلك صار قديما بعد ان كان حادثا ! . .
ومما استدل به الأشاعرة على قدم كلامه بأن اللفظ إذا لم يعبر عن صفة في النفس يكون لفظا مجردا أشبه بلفظ الببغاء ، وبأن كلام اللّه صفة له ، وكل ما هو صفة له فهو قديم ، فكلامه قديم .
وقال المعتزلة والإمامية : ان كل من يوجد كلاما يدل على معنى فهو متكلم ، ولا دخل للمعنى القائم في النفس في وضع الالفاظ ودلالتها ، وعلى هذا يكون كلام اللّه هو نفس الكلمات الموجودة في التوراة والإنجيل والقرآن وهي حادثة ، ولا يلزم من القول بحدوثها أن يكون اللّه محلا للحوادث ، لأنه سبحانه يخلق الكلام في الشجرة واللوح المحفوظ ، وعلى لسان جبرايل ، كما يخلق سائر الكائنات ، وبكلمة ثانية : ان التكلم من صفات اللّه الإضافية ، كالخلق والرزق ، لا من الصفات الذاتية القديمة ، كالعلم والقدرة والحياة ، وبهذا يتبين الخطأ في قول الأشاعرة « إن كلام اللّه صفة له ، وكل ما هو صفة له فهو قديم » .
وبالتالي ، ينبغي أن ننبه إلى أن الخلاف بين الأشاعرة من جهة ، والمعتزلة والإمامية من جهة - يعود إلى أن الكلام بمعناه الحقيقي هل يطلق على ذات اللفظ الدال على معنى ، أو على المعنى القائم في النفس ، وان صفة الكلام بالنسبة اليه تعالى هل هي صفة إضافية حادثة ، كايجاد الكائنات ، كما يقول المعتزلة والامامية ، أو أنها صفة ذاتية قديمة كالعلم والقدرة ، كما يقول الأشاعرة .
وإذا رجعنا إلى عقولنا نجد أن كلام اللّه محدث ، وليس بأزلي ، لأنه مركب من الحروف ، وكل مركب مسبوق بأجزائه التي يتألف منها ومفتقر إليها . . والمسبوق بغيره حادث ، والمفتقر إلى سواه ممكن ، فكلام
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 110
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١١٠