والذي يظهر بالتأمّل في الآيات والأخبار أنّ المراد بالعلم ليس هو العلم الوجداني ، بل هو بمعنى العلم بالأحكام من طريق الأدلّة ؛ أيالخطابات الواردة في لسان الكتاب والسنّة ، كما هو الظاهر من قوله تعالى :
أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ
« 1 » ؛ أيالعلم المأثور ، ومعلوم أنّ وجوب التعلّم ليس نفسياً يعاقب المكلّف على تركه ، بل يكون العقاب على ترك الأحكام الواقعية .
وبالجملة : قد قطع اللَّه تعالى العذر عن عباده في ترك الفحص وترك التعلّم لأحكامه الواقعية ، فللّه على الناس حجّة بالغة « 2 » ، وليس لهم عليه تعالى حجّة ، فلا بدّ لكلّ مكلّفٍ أن يتفحّص عن مرادات اللَّه وأحكامه الواقعية بالمقدار الميسور له .
هذا حال لزوم الفحص بناءً على ما ذهبنا إليه ، وقد عرفت : أنّ المناط فيه ليس هو العلم الإجمالي ، فلا مورد لبعض الإشكالات « 3 » :
منها : أنّه لا يجوز العمل بالعامّ قبل انحلال العلم ولو بعد الفحص الكثير .
ومنها : أنّه بعد الانحلال لا يجب الفحص عن مخصِّصات العمومات المشكوك في تخصيصها .
وذلك لما عرفت : من أنّ المناط للفحص هو ما دلّ على وجوب التعلّم من الآيات والأخبار ، فبعد الفحص والتعلّم تصير العمومات حجّة ، وليس للعبد عذر قبل الفحص ولو في الشبهة البدوية .
هامش
( 1 ) - الأحقاف ( 46 ) : 4 .
( 2 ) - إشارة إلى الآية 149 من سورة الأنعام .
( 3 ) - انظر مقالات الأصول 1 : 455 .