أمره لأجل مرض بين الموت وقطع اليد ؛ فلا يقال : إنّه مكره عليه ، بل هو مضطرّ فيه ؛ أييلجئه العقل بترجيح المصلحة الغالبة على المفسدة ، أو بالفرار من المحذور الكثير إلى القليل من غير سلب قوّة التمييز والاختيار والإرادة عنه ، وقد يحصل بإكراه مكره ، فدار أمره بين تحمّل ما أوعده عليه من القتل وغيره ، وبين إتيان ما أمره به ، وفي هذه الصورة أيضاً لم تسلب عنه المبادئ المتقدّمة بل يرجّح أقلّ المحذورين ويختاره ويريده ، وما هو كذلك شأنه كيف يمكن أن يكون علّة تامّة للفعل الصادر من المكرَه ؟
بل قلنا في محلّه « 1 » : إنّ إرادة الفاعل المباشر أيضاً ليست علّة تامّة لوجود الفعل وتحقّقه خارجاً ؛ ضرورة توسّط مبادٍ اخر بينها وبين وجود الفعل الخارجي ، كالقوى المنبثّة في الأوتار والأعصاب ونفس الأوتار والأعصاب والعضلات ، فالنفس في العالم الطبيعي فاعلة بالآلة ، وما هي شأنها لا تكون إرادتها علّة تامّة للفعل الخارجي فضلًا عن كونها بالنسبة إلى الفعل المكره عليه كذلك ، ولهذا كثيراً ما تتخلّف الإرادة عن المراد .
نعم ، قد يمكن أن يقهر بعض النفوس القويّة قوى الفاعل وآلاته وسخّرها تحت إرادته ؛ بحيث تسلب الإرادة والاختيار والفاعلية عنه ويصير متحرّكاً وفاعلًا بإرادته وتكون قوى الفاعل كالآلة للنفس المسخِّرة إيّاه ، وفي مثله لا يكون الفعل صادراً عن المسخّر - بالفتح - بل عن المسخِّر القاهر ، وهو خارج عن البحث .
هامش
( 1 ) - راجع مناهج الوصول 1 : 294 .