فهاتان المرتبتان دركهما حظّ العقل ، وليس محجوباً عنهما ، فلهذا يحكم قطعياً عليها .
وأمّا في المرتبة الثالثة - وهي مرتبة نفس الأمر التي هي عبارة عن نشأة العلم الربوبي - ، فليس من شأنه دركها ، وهو محجوب عنها ، فلا يحكم عليها . فهو مردّد في حالها هل هي مقتضية للظهور ، أم لا ؟ أم هل هي مقتضية للسعادة أو الشقاوة ، أم لا ؟ والمثال الذي أورد الشارح في الصفحة الآتية - من الأعمى - راجع إلى ذاك المقام .
وبالجملة : العقل يحكم بقابلية الممكن للشيء ونقيضه فيما هو شأنه ، ولا يحكم بشيء فيما هو محجوب عنه ، وهو مرتبة علم الربوبي . وأمّا السالك المكاشف المطّلع على نفس الأمر فيحكم على آحاد الماهيات بما هي عليها ؛ من الوجود والعدم والسعادة والشقاوة وغير ذلك » . انتهى ما أفاد .
أقول : ولعلّ بطن الامّ الذي ورد : «
أنّ السعيد سعيد في بطن امّه ، والشقيّ شقيّ في بطن امّه » « 1 »
هو مرتبة نفس الأمر الذي عبارة عن الحضرة العلمية ؛ فإنّ السعادات والشقاوات وكلّية التقديرات من ذاك العالم الشامخ الربوبي الذي هذا العالم وما فيه ظلّه الظليل .
ولمّا كان جميع التقديرات في ذلك العالم ، ورد في بعض الأخبار : أنّ البداء من علم لا يعلمه الأنبياء والمرسلون هو مخزون عنده ، كما في « الكافي » الشريف بإسناده عن أبي عبداللَّه عليه السلام ، قال :
« إنّ للَّهعلمين : علم مكنون مخزون
هامش
( 1 ) - التوحيد ، الصدوق : 356 / 3 ؛ صحيح البخاري 4 : 551 / 1372 ؛ صحيح مسلم 2 : 549 / 1 .