كادت تصل فمه ، فردَّها عنه إلى فم رفيقه الذي فعل ما فعل ، حتى دارت التمرة بينهم جميعاً . هؤلاء هم الذين جهَّزهم الرسول لقتال قريش . أولئك بكلِّ ما لديهم من قدرة وثراء ، وهؤلاء بكل ما هم عليه من فاقة وبأساء وإيمان وعطاء . الواقع غير ما قالوه لِشُبَّانِنا ، وافتروه من أنّ الإسلام وكلّ الأديان هي أفيون . لا ، ليس كذلك ، فإنّ الإسلام وكلّ الأديان كانت محرّكة للناس ، وأيقظتهم ، إذ بعثتهم تعاليم الأنبياء ، وقادتهم لمجابهة المتجبِّرين والوقوف في وجه المشركين . والقرآن يمكن القول فيه : إنه كتاب حرب يُعِدَّ الناس للقتال في الوقت الذي يزخر فيه بالتعاليم الإنسانية ، لكنّ المسلمين ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) « 1 » ودعوتهم : ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) « 2 » . فالقرآن أجبر الناس ، وأيقظهم ، وواساهم ، ولاطفهم ، وثبَّتهم بأنَّ الملائكة معكم ، وكان الملائكة معهم فعلًا ، فكانت فئة قليلة تتحرَّك ، فتهزم قدرة كبيرة بقدرة الإيمان تلك والتحرُّك الذي أوجده الرسول الأكرم والقرآن الكريم فيهم . وما يؤسف عليه أنّ هذا التضليل أثّر في فئة من شبّاننا ، وهذه الدعاية التي بثوها كانت لتدمير هذه القدرة التي تستطيع الوقوف في وجه القوى كلها ، ولنهبها بعد تدميرها .
ونتّجه إلى علماء الدين ، لنرى هل هم وعّاظ سلاطين ؟ هل أعدّهم الإنجليز لتنويم الناس ، لينهبوا هم ؟ مَن قام بهذه الثورات في هذه المئة سنة ؟ كم ثورة في هذه المئة سنة ؟ مَن كان رأسها ؟ رأس ثورة التبغ كان المرحوم الميرزا الشيرازي ، والثورة الدستورية أثارها علماء النجف وإيران . هذه الثورات العديدة التي شهدناها كلها كانت بقيادة العلماء . فعلماء إصفهان ثاروا ، ورأسهم المرحوم الحاج نور الله - رحمه الله - وعلماء تبريز ثاروا ، وعلماء مشهد ثاروا . وفي وقت من الأوقات ثار المرحوم السيد القُمّيّ ، وجاء وحده إلى طهران - وأنا فيها - وأتى إلى حضرة عبد العظيم ، فذهبنا لخدمته . لقد ثار ، لكنهم حبسوه ، ثمّ أبعدوه . لقد كانت سُلْطة . لقد كانت كل الثورات في هذه المئة سنة لهؤلاء تقريباً . ففي تبريز كان الخياباني وأحد الفضلاء . أجل ، وكان ثوّار الغابة . أولئك كانوا لكنهم كانوا في أقليّة ، وهم عمدتهم . فما يقولون من أنّ علماء الدين وعّاظ السلاطين يعملون للبلاط ، ينيمون الناس ، ليسلبهم البلاط قول غير صحيح . فأيّ مدينة تدخلون تجدون عالمها مخالفاً لأولئك خُفيةً إذا لم يستطع المخالفة علنا .
لا أقول : إنّ المعمّم مستقيم مئة بالمئة ، لقد كان لدينا معمّمون أسوأ من رجال منظّمة الأمن ، وأنا أعني علماء الدين ، وأولئك يقولون : علماء الدين كلّهم هكذا . وأنا أقول : ليست المسألة هكذا . لا أريد أن أقول : كلّ من وضع عمامة على رأسه عالم دين ، وكلّ من أعتمّ خالف . لا . كثير من المعمّمين وافقوا ، ووافقوا كثيراً . لكنّ القول بأنّ علماء الدين جميعاً هكذا غير صحيح . فهذا أيضاً كان لهدم هذه القدرة . وإذا ما هدموا هذه القدرة صغروا الإسلام في أعين الناس من ناحية ، مثلما صغروا علماء الدين في أعينهم من الناحية الأخرى ، وسلبونا
هامش
( 1 ) الفتح : 29 .
( 2 ) التوبة : 36 .