موجودون : الدِّين أفيون ، أفيون المجتمع ، ومعنى هذا أنّ الدين صَنَعَه الأقوياء لتنويم الناس ، لينهبوهم مثلما أنّ المدمن إذا تناول الأفيون ، غلبَهُ النعاس ، وما عاد ينتبه على شيء ، كذلك الدين صنعه الأقوياء ، ليفزع إليه الناس ، ليناموا كما ينام المدمن ساعة تناوله الأفيون فيأتي أولئك ، فيغيرون عليهم ، وينهبون ما يجدون . هكذا قالوا عن الدين ، وجرّوا هذا القول إلى الإسلام الذي كان أقدر دين ، وقذفوه بهذه الأباطيل من قبيل الإسلام كان صالحاً قبل أربعة عشر قرناً ، وهذا ما قاله أحد الباقين من تفالة أولئك ، والآن يقولون أيضا : " لا يمكن أن تقوم كل أحكام الإسلام فهي للماضي لا الحاضر " ومن هذه الكلمات التي يتشدّقون بها أحياناً ، وأحياناً يلوكها غير الواعين من دون فطنة ، لا عن عداوة منهم ، إذ لا يعرفون ما هو الإسلام أصلًا ، فيعرفوا لأيّ وقت هو . هؤلاء لا يدرون أصلًا ما هو الإسلام . في حال نظر كل إنسان في التاريخ وتاريخ الإسلام في الأقل وهو قريب ، لرأى أيَّ ناس قابلوا أيَّ ناس ، فهؤلاء الأنبياء الذين يقولون : إنهم صنعوا الدِّين ، ليحفظوا الأغنياء كلّ من ينظر في تاريخهم يعرف من أيّ طبقة هم ، ومَن كانوا يخالفون ، ويرى أنهم كانوا من الطبقة المستضعفة ، من هذه الطبقة الثالثة من الناس ، وأنهم حملوا الناس أن يُحاربوا المستكبرين ، ومنهم النبي موسى القريب إلينا الذي كان راعياً بعصا الرَّعي ، وخدم شعيباً ، ورعى له غَنَمه ، وكان من عامّة الناس في الصورة . وهو الذي نهض بالناس ، وجهَّزهم على فرعون ، وما أعدّ فرعون موسى ليأخذ منه عرشه . موسى قاد الناس ، وذهب بهم ، فأطاح بعرش فرعون " الدين أفيون " ؟ عند أولئك فرعون أعدّ موسى لِيُنيم الناس ، ليحكمهم هو . والواقع عكس هذا . فموسى جهّز الناس هذه الطبقة الثالثة ، ومضى بهم ، فألقى تاج فرعون وعرشه لعاصف الفناء .
حسناً ، تاريخ الإسلام قريب ، هل أعدَّت قريش وكبراؤها الرسول الأكرم ليُنيم الناس ليستديموا هم رباهم وتجارتهم وإتاوتهم ونهبهم ؟ أو كان النبي الأكرم خصماً لقريش ؟ وهو نفسه كان من قريش ، لكن من هذه الطبقات الدُّنيا ، كان من الأشراف بمعنى الكرام لا الأغنياء ، فما كان له من شيء ، ولم يستطع العيش في المدينة ، فهجرها إلى الجبال انطلاقاً من هؤلاء الأثرياء والجبّارين ، وكان في غار حتّى أنجز أعماله السِّرِّيَّة ، ثمّ شرَّف المدينة . فمتى كانت المدينة مع الرسول ؟ متى كان معه أولو النفوذ ؟ متى كان معه ذوو البطش ؟ متى كان معه المرابون والتجار واليهود الذين كانوا جزءاً من المتمكِّنين ؟ أما ورد الرسول على إنسان من الدرجة الثالثة في المدينة وقد اجتمع حوله الفقراء والمحرومون ، وما كان له سوى منزل غرفة من سعف النخيل ، وهكذا مسجده ؟ أما كان عِدَّة من أصحابه من أهل الصُّفّة « 1 » ؟ أولئك الذين لا مأوى لهم سوى موضع مظلّلٍ مِنْ مسجده كانوا ينامون فيه ، هذه هي حياتهم . جمع هؤلاء ، وقضى بهم على أولئك المستكبرين . جمع هؤلاء الفقراء والمستضعفين الذين كانوا من الدرجة الثالثة الذين لا يملكون حتى منزلًا ، وفي الحرب أصاب أحدهم تمرة
هامش
( 1 ) أصحاب الصفة جمع من الفقراء والعبيد المعتوقين لم يكن لهم مأوى ليناموا فيه فأقاموا إلى جوار كوخ الرسول ( ص ) .