ظهري وما أجد لي إليك شافعا سوى معرفتي بأنّك أقرب من رجاه الطّالبون ، ولجأ إليه المضطرّون ، وأمل ما لديه الرّاغبون ، يا من فتق العقول بمعرفته ، وأطلق الألسن بحمده ، وجعل ما امتنّ به على عباده
شرح
والظاهر أنّ الباء في « بنفسي » للمصاحبة ، وهي مؤكّد بهربت ، وفي « بأثقال الذنوب » للسببيّة أو المعيّة ، والمهروب عنه محذوف ، وهو عقاب اللّه وعذابه وغضبه وسخطه ، وكذلك مهروب اليه ، وهو رحمته ومغفرته في « إليك » فيكون بحذف المضاف .
وذلك لأنّ هرب العبد إلى اللّه تعالى على مراتب :
فأوّلها : الهرب من بعض آثاره إلى بعض ، كالهرب من أثر غضبه إلى أثر رحمته ، كما قال تعالى حكاية عن المؤمنين في التضرّع اليه« رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا »« 1 » الآية ، فكأنّهم لم يروا الّا اللّه تعالى وأفعاله ، فهربوا من بعضها إلى بعض .
الثانية : أن يفنى العبد عن مشاهدة الأفعال ، ويترقّى في درجات القرب والمعرفة إلى مصادر الأفعال وهي الصفات ، فيهرب من بعضها إلى بعض . كما ورد عن زين العابدين عليه السّلام : اللهمّ اجعلني أسوة من قد انتهضته بتجاوزك عن مصارع المجرمين ، فأصبح طليق عفوك من أثر سخطك . والسخط والعفو صفتان ، فاستعاذ بإحداهما من الأخرى .
الثالثة : أن يترقّى عن مقام الصفات إلى ملاحظة الذات ، فيهرب منها إليها ، كقوله تعالى« لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ »« 2 » وكالوارد في الدعاء في القيام
هامش
( 1 ) سورة البقرة : 286 .
( 2 ) سورة التوبة : 118 .